انتخاب رئيس حركة “النهضة” رئيسا للبرلمان أو رهان لعبة التوافقات

لم يشكل انتخاب راشد الغنوشي، رئيس حركة “النهضة” رئيسا لمجلس نواب الشعب التونسي (البرلمان)، أمرا مفاجئا بالنسبة للمراقبين العارفين بشؤون البلاد.

الاتفاق الذي تم ترتيبه خلف الكواليس، في الساعات الأخيرة، بين الإخوة الأعداء، وهما حركة “النهضة” الفائزة في الانتخابات التشريعية الأخيرة بحصولها على 52 مقعدا، وحزب “قلب تونس” الذي حصل على 38 مقعدا، خلف نوعا من خيبة الأمل وإن كان يأتي في المسار الطبيعي للأمور.

ويعتبر المحللون، أن انتخاب راشد الغنوشي منذ الجولة الأولى رئيسا لمجلس نواب الشعب يأتي تتويجا للمسار الطبيعي للتجاذبات بين حزبين متباعدين، مما أتاح للحركة فرصة سحب البساط من تحت أقدام الحزبين الأقرب إليها، وهما “التيار الديمقراطي” بزعامة محمد عبو وحركة “شعب” التي يرأسها زهير المغزاوي، بعدما اعتبرت مطالبهما “مفرطة”، ولم تقبلها “النهضة”.

ومن ثم فإن انتخاب راشد الغنوشي، رئيسا لمجلس نواب الشعب، منذ الجولة الأولى، بأغلبية 123 صوتا، بينما كانت 109 أصوات من أصل 217، كافية لذلك، كشف عن مدى فعالية الاتفاق الذي تم التوصل إليه.

وهكذا فقد صوت 38 نائبا من حزب “قلب تونس” لصالح مرشح الحركة، وحصلوا في المقابل بفضل 109 أصوات على منصب النائب الأول لرئيس البرلمان الذي ستتولاه سميرة الشواشي.

ويخلف الغنوشي، البالغ من العمر 78 عاما، محمد الناصر الذي انتخب في ذات المنصب عام 2014 قبل أن يتركه لعبد الفتاح مورو رئيس المجلس بالنيابة.

ويبدو أن المهمة لن تكون سهلة بالنسبة لهذه الشخصية التاريخية في حركة النهضة. ففي ضوء تشظي وتفتت المشهد السياسي، والعدد المحدود من المقاعد الذي تتوفر عليه الحركة، فإنه سيواجه اختبارا صعبا للقيام بمهمة دقيقة ومعقدة في ذات الآن.

وبصرف النظر عن انتخاب رئيس البرلمان والنائبين الأول والثاني للرئيس، فإن الترتيب الذي تم التوصل إليه بين الحزبين أدى إلى نوع من إعادة تشكيل المشهد، وذلك على عكس السيناريو الذي أدت إليه انتخابات 2014.

فقد استخدم البحث عن تحالف بأي ثمن كان، ولو على نحو غير طبيعي، لفك تعثر عملية انتخاب رئيس البرلمان وربما قد يكون الأمر كذلك بالنسبة لتعيين رئيس للحكومة.

وإذا كان الأمر الأول قد أفضى إلى نتيجة بعد خمس سنوات من حصيلة “كارثية”، تمثلت بالخصوص في تفاقم الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية وتضاعف الشكوك، فإن الطبقة السياسية لا تخفي مخاوفها بشأن العواقب المحتملة للأمر الثاني (أي تعيين رئيس للحكومة) على مستقبل البلاد.

ويبدو واضحا بعد أكثر من أسبوعين من التجاذبات المضنية والطويلة ولكنها أفضت إلى نتيجة في نهاية المطاف، أن حركة النهضة قد اختارت سبيل لا يخلو من صعوبة. فقد انتهى بها الأمر إلى التخلي عن حزبين كانا يعتبران الأقرب إليها على مستوى الخطاب والبرنامج، من خلال عقد تحالف يبدو غير طبيعي مع عدوها اللدود.

 

 


 

 

 

فالذين جعلوا من مكافحة الفساد والعودة إلى روح ثورة عام 2011 سبيلا لا محيد عنه، طالبوا بثمن باهظ للغاية، ورفعوا سقف مطالبهم عاليا.

واختارت النهضة دفع ثمن باهظ من خلال التحالف مع الحزب الذي سعت إلى محاربته بل وإقصائه من الحياة السياسية، وذلك في مقابل ترتيبات مربحة للجانبين.

تلك هي حال السياسة، إذ أنها تجعل ممكنا ما هو ضروري. لكن يمكن للعواقب أن وخيمة هذه المرة، برأي بعض المراقبين.

ومن المؤكد أن تشققات داخل الأحزاب المتحالفة قد ترى النور يوما ما، وستكشف عن استياء كامن بدأت تبدو ملامحه ظاهرة.

ففي حزب “قلب تونس”، انتهى الأمر بأحد الوجوه الحزبية إلى التخلي، حيث اعتبر عبد العزيز بلخوجة أنه “على إثر اختيار العديد من نواب “قلب تونس” التصويت لصالح راشد الغنوشي، رئيس التنظيم السري المسؤول عن كل علل تونس، فإنني لا أعتبر نفسي على صلة من أي نوع كانت مع هذا الحزب”.

وفي حركة النهضة نفسها، يزداد الغضب على الخصوص، حيث كانت المناقشات داخل مجلس شورى الحركة محتدمة، ولا يتردد الأكثر تشددا في انتقاد رئيس الحركة راشد الغنوشي بشكل مباشر، وهم يرون أنه مسؤول عن التوجه السلطوي الذي لوحظ داخل الحزب الإسلامي.

ويرى العديد من المراقبين، أن الاتفاق المبرم بين الحزب الذي يدعو إلى العودة إلى روح ثورة 2011، ومحاربة دون هوادة للفساد والالتزام بشكل ملموس من أجل تحقيق طموحات التونسيين من أجل الحرية و الكرامة، وحزب “قلب تونس”، الذي غالبا ما وصفه بأنه حزب للفسادين ومناهض للثورة، يشكل تحولا فرضه سياق سياسي معين.

فكيف يصبح عدو الأمس اللدود حليفا اليوم؟ رد الغنوشي على ذلك يأتي واضحا بقوله إنه “لا يمكن إقصاء حزب انتخبه الشعب التونسي”، بل إنه يذهب إلى حد التأكيد بشأن التحالف مع “قلب تونس” في السلطة، أن “الأغبياء هم الذين لا يتغيرون”.

إنه تحول بمقدار 180 درجة، ومرادف للواقعية السياسية، ولأمر مسلم به في السياسة، حيث التحالفات تعتمد على منطق متغير.

رد فعل كل من “التيار الديمقراطي” وحركة “الشعب” جاء سريعا وحادا.

فقد اعتبرت سامية عبو، نائبة عن حزب التيار الديمقراطي، أن مسألة رئاسة مجلس نواب الشعب “تم الترتيب لها خلف الكواليس لصالح راشد الغنوشي، بعد مفاوضات بين حركة النهضة والأحزاب التي تقدم الدعم السياسي في مقابل الحصول على رئاسة الحكومة”.

أما زهير المغزاوي عن حركة “الشعب”، فقد اعتبر أنه “على غرار عام 2011، أرادت النهضة أن تحكم باستخدام حزبين وليس أن تحكم مع حزبين”.

وبالنظر إلى التطورات المتسارعة التي ستحدث، ولا سيما الإعلان الوشيك عن رئيس الحكومة المقبل، فإن البلاد قد تكون مقبلة على فترة طويلة من الشكوك بحسب المراقبين.

إن الأمر يتعلق برئيس جديد للبرلمان لا يتوفر على خبرة في هذا المجال باستثناء مساره داخل حركة النهضة.

ومن المتوقع وفق هذا السياق تعيين تكنوقراطي كرئيس للحكومة، وهو ما يوحي باحتمال ظهور معارضة قوية من شأنها أن تهدد الحياة السياسية بالشلل، وتزيد من صعوبة تحقيق التغيير في المنشود في البلاد بحسب المراقبين.

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*