«أخطبوط الملالي».. التشيع السياسي من البحرين إلى المغرب

أذرع “أخطبوط الملالي” صارت على مقربة من حدود دول عربية ظلت إلى عهد قريب بعيدة عنها.

تفجرت في الأشهر الأخيرة من عام 2009 أزمة حادة بين إيران والمغرب انتهت بقطع البلدين علاقتهما الدبلوماسية، على خلفية مساندة المغرب للبحرين وإدانته لتصريحات مسؤولين إيرانيين اعتبروا البحرين محافظة إيرانية. وبحسب الباحث المغربي عزيز مشواط فقد ساند المغرب برسالة ملكية قوية مملكة البحرين، وهي المساندة التي جاءت على غرار مساندة مجموعة من الدول العربية للإمارة الخليجية. لم تحتج إيران على باقي الدول العربية، واستدعت خصيصا السفير المغربي في طهران وأبلغته احتجاجها، ما اعتبره المغرب، حينها، إهانة له.

لكن بعيدا عن هذه الأسباب المباشرة، يضيف الباحث أنه تختبئ علامات استفهام كبيرة من قبيل: هل يتعلق الأمر بمجرد توتر دبلوماسي عادي كغيره من الأزمات التي تشهدها العلاقات الدولية في أكثر من مناسبة، أم أن الأزمة المغربية – الإيرانية دليل على دخول إيران مرحلة التجسيد الفعلي لدور “دركي” منطقة الشرق الأوسط؟ لتبرير قطع علاقاته مع إيران أكد المغرب أن “نشاطات ثابتة للسلطات الإيرانية وخاصة من طرف البعثة الدبلوماسية في الرباط تستهدف الإساءة للمقومات الدينية الجوهرية للمملكة والمس بالهوية الراسخة للشعب المغربي ووحدة عقيدته ومذهبه السني المالكي”، فانتهت الأمور إلى قطع العلاقة الدبلوماسية بين البلدين.

يعرف كل المتتبعين أن العلاقات الإيرانية – المغربية منذ 1979، لم تكن على ما يرام، فالملك الراحل الحسن الثاني استضاف الشّاه بعد الثورة على نظامه، كما أخذت إيران على المغرب فتوى كان العلماء المغاربة قد أصدروها تقضي بتكفير آية الله الخميني. فيما ظلت العلاقات الدبلوماسية متوجسة رغم إعادة ربطها في سنة 1991.

هذا التوجس المغربي من التمدد الشيعي تقوى بفعل النوايا الإيرانية المعلنة من أجل تصدير الثورة ونشر مذهبِها الشيعي. وجد المغرب إذن، الفرصة المواتية لإعلان استيائه من التدخل الإيراني في شؤونه الداخلية. لكن الأمر لا يقتصر فقط على المغرب لأن الأثر الإيراني بدأ يتمدد في كافة المنطقة العربية، بل إن الأذرع الشيعية لـ “أخطبوط الملالي” صار على مقربة من حدود دول عربية ظلت إلى عهد قريب بعيدة عن الاهتمام الشيعي.

لقد أدخلت إيران المنطقة العربية عامة في أزمة هوية صارخة منذ تأسيس الجمهورية الإسلامية، لأنها شكلت نموذجا شاذا في التاريخ المعاصر، إذ لم تكن ثورة الخميني عام 1979 مجرد انقلاب أنهى الحكم السياسي للشاه، بل إن الأمر كان أعمق من ذلك بكثير ما دامت الثورة الإسلامية الإيرانية، قدمت نموذجا مخالفا في الوقت ذاته للغرب وقيمه، كما هددت جيرانها العرب حينما تبنت شعار تصدير الثورة إلى الخارج.

وعلى هذا الأساس يمكن قراءة ردة الفعل المغربية، إذ لم تكن سوى انتفاضة لدق ناقوس الخطر، بعد أن قوت إيران نفوذها في كل بؤر التوتر التي تعاني اللا استقرار. ففي العراق مثلا لا تخفي تنظيمات أساسية ولاءها للمرجع الأعلى في إيران. أما في لبنان وفلسطين فقد عملت إيران، عندما فشلت في استمالة الحكومات، على إحاطة نفسها بعدد من التنظيمات الجيدة التنظيم، من أجل تثبيت النفوذ وحماية نفسها من كل ضربة محتملة. وهكذا صار لها حلفاء ناطقون باسم مرشد الجمهورية الإيرانية في كل المنطقة، من قبيل حزب الله وبعض الأطراف العراقية وتنظيمات فلسطينية لا تخفي تبعيتها.

“أحلام توسعية” قد تدخل المنطقة في صراعات هوياتية طاحنة.
مؤشرات كثيرة تزكي خوفا كبيرا لدى الأوساط السياسية العربية من الخطر الشيعي القادم من بلاد فارس. فعلى خلفية الأزمة الأخيرة بين المغرب وإيران تحدثت الأوساط الأمنية المغربية أن هناك أكثر من 3000 مواطن مغربي اعتنقوا المذهَب الشِّيعي، الأمر الذي جعل السلطات المغربية تنظُر بكثير من القلق إلى النشاطات الإيرانية في أوساط الجالية المغربية في أوروبا واعتناق الآلاف منهم المذهب الشيعي.

عديد من المهتمين رأوا في القلق المغربي وحدة التصريحات التي صدرت عن المسؤولين المغاربة تجسيدا لخوف كبير من تفكك الهوية وذوبانها بفعل الاختراق الشيعي المختلف الأشكال، وهو خوف لا يهم المغرب وحده، بل ينسحب على مجموعة من الحالات المماثلة كمصر والسعودية والأردن ودول خليجية أخرى.

ويبدو أن إيران في أزمتها الأخيرة مع المغرب قد كشفت عن استراتيجية جديدة للتمدد، فبعد تقوية نفوذها في لبنان وفلسطين والعراق، تسعى إيران إلى توسيع نفوذها بكل الوسائل. ولم يكن قرار تصعيدها المواجهة مع المغرب سوى شكل من أشكال استعراض قوتها.

لتحقيق هذا التوسع وتثبيت نفوذها تعمد إيران إلى ثلاث تقنيات: أولا باستعراضها المستمر لقوتها من خلال الترويج الإعلامي لترسانتها النووية والصاروخية، لإرهاب الخصوم. وثانيا استغلال الصراعات والمآسي العربية للعب على حبل المشاعر الشعبية المعادية لإسرائيل والترويج لها بشكل واسع، من خلال ترسانة إعلامية تقوت كثيرا في السنين الأخيرة. أما المستوى الثالث، فيعتمد على ترويج التشيع ليس بمعناه الديني لكن في بعده الثقافي.

ويشكل المستوى الأخير منفذا نبهت إليه أكثر من جهة، حيث تختفي وراء الأنشطة الجمعوية والخيرية الإيرانية مشاريع لاستقطاب الشباب ودعم تنظيمات طلابية ومدنية للتأسيس لأرضية التوغل الشيعي.

ضد هذه السياسة يمكن فهم الحركة المضادة التي قام بها المغرب من خلال قطع علاقاته مع الجمهورية الإسلامية الشيعية، رغم الخطورة التي تشكلها على قضاياه المصيرية، إذ لا يستبعد أن تلجأ إيران إلى معاودة دعمها لجبهة البوليساريو في قضية الصحراء. إن محاولة المغرب الوقوف في وجه الاختراق السياسي والرمزي والثقافي لإيران الشيعية يجب أن يقرأ من عدة زوايا. لكن الزاوية الجوهرية في الحادث كونه تنبيها جديا إلى خطورة التمدد الشيعي الذي وصل إلى حد لافت.

أثبتت إيران من خلال الأزمة الأخيرة مع المغرب كما في مناسبات أخرى، يختم مشواط، أنها غير قادرة على نسيان “مجدها” الفارسي، وهو “المجد” الذي صار أكثر عنفا عندما تسلح بعقيدة شيعية. فمن احتلال الجزر الإماراتية، إلى التدخل الإيراني في العراق ولبنان وفلسطين، وصولا إلى الأزمة الأخيرة مع البحرين وما أعقبها من تطورات وصلت حد قطع المغرب علاقاته الدبلوماسية مع طهران، يختفي جبل من “أحلام توسعية” قد تدخل المنطقة في صراعات طاحنة بين الفرس الشيعة وأتباعهم من جهة والعرب السنة من جهة أخرى حول هوية الخليج وهوية الشرق الأوسط عموما.

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.