الدكتورة وادي تكتب: الصراع الخفي بين الابن والأب ، مقاربة نفسية!!!

بقلم الدكتورة خديجة وادي:

دكتورة في علم النفس وأستاذة جامعية بكلية ابن طفيل بالقنيطرة

خلال العقود الماضية ، تمكنا من رؤية تغييرات كبيرة في هيكل الأسرة؛  فكان  من المحتمل تمامًا أن يفسر غياب الأب أو تواجده غير المتواصل (أطفال الطلاق أو  المتخلى عليهم أو ضمن العائلات الممتدة) ، زيادة مشكلات التكيف الاجتماعي للأطفال ، وخاصة الذكور. ففي الواقع يتعرض هؤلاء أكثر من البنات للاضطرابات السلوكية، مثل مغادرة قاعات الدراسة والإدمان، الانتحار… McKinnon 2000) ، & Potvin) أو حتى اضطرابات الانتباه وفرط النشاط؛ أي ما يسمى بالسلوكيات المعادية للمجتمع مثل العدوانية ، السرقة ، عدم احترام القواعد ، الاندفاع ، المعارضة ، الأكاذيب والتخريب ( 1987Kazdin ).

إن العديد من الدراسات قدمت أرضية لتفسير الكثير من المشاكل التي قد يعاني منها الطفل و التي و ضعت عصب هذه العلاقة مع الأب على المحك، من أجل ذلك أكد التحليل النفسي بأن الطفل يتعرض لتداعيات عقدة أوديب، خصوصا وأن فرويد يرى فيها موجها أساسيا للرغبة الإنسانية عموما ، إنها تعتبر نموذجا نظريا لفهم العلاقة بين الطفل وبنيته الأسرية لذلك أكد بأنها تحكم جميع المجتمعات الإنسانية ،  كما أنها تفسر الصراع بين الطفل و بنيته الأسرية ، فالذكر يرغب في أن يحل محل أبيه فيما ترغب الأنثى في الحلول محل أمها ، هذه المشاعر التي تربط بين الأبناء والآباء ، ثم بعد ذلك بين الإخوة والأخوات، و تعبر عن منحى سلبي ، أي عدواني، تتمثل في حب موجه للوالد من نفس الجنس وحقد على الوالد من الجنس المقابل، ويعتقد فرويد بأن هذه العقدة ، ونظرا لما يتجلى فيها من تعارض مع قيم الأنا الأعلى ، بمجرد أن تظهر للوجود تتعرض للكبت الفوري لكنها تحتفظ بنوع من التأثير القوي والمستمر. ويمكن الافتراض بأنها تشكل جنبا إلى جنب مع تحويلاتها – العقدة المركزية في كل أنماط “العصاب “أي اضطرابات الوسواس، الهستيريا، الفوبيا ثم عصاب القلق.

ويكشف فرويد عن أصل هذا التصور بالاعتماد على أسطورة أوديب الملك، لقد كان قدر هذا الأخير أن يقتل أباه، ويتخذ من أمه زوجة، وهو في ذلك يقدم مظهرا أقل تحريفا لرغبات الطفولة التي يتم ترويضها لاحقا ومن تم دفعها، دون التمكن من إقصائها بصورة نهائية، إنه نفس التجلي الذي تكشف عنه مأساة هاملت  لدى شكسبير لكن بكيفية أكثر تسترا نظرا لما تحمله داخلها من رغبات محرمة. (Freud. 1927) هذا الصراع الخفي اللاشعوري هو أصل جميع أنواع الصراع الذي تكتسح مجال الشعور.

إن أسطورة أوديب تشير من دون شك إلى واقع مرضي عاشت تداعياته أجيال سابقة و لا زال هناك الكثير من ملامح هذه العلاقة المتأزمة مع شخص الأب الذي يتحول أحيانا إلى مصدر ألم وقلق، فما هي الحالات التي قد نشهد فيها مظاهر الصراع الخفي بين الطفل و الأب؟

الأب المتسلط:

في كثير من الأحيان، يتحول دور الأب إلى دور القائم على السلطة؛ إنه الشخص الذي يؤسس قواعد لا يجب تجاوزها، و يفرضها بالقوة، لذلك يتحول إلى رمز للسلطة و القوة وغالبا ما  تتطور النزاعات بحيث تصبح مربكة بالنسبة للطفل الشيء الذي يؤدي لظهور أعراض و اضطرابات مرضية.

الأب المتطلب:

بعض الآباء تبدو توقعاتهم مرتفعة للغاية، فمن الصعب إرضاؤهم، بحيث يبدو أن أولادهم دائمًا ما يخيبون آمالهم. إن الطفل لا يستطيع أن يبني احترامه لذاته إذا لم يحظ بالاحترام. فمن الضروري أن يدرك الأب أن هناك أهمية كبيرة لرأيه الإيجابي. و بفضل هذا التشجيع يستطيع أن يحظى بفرصة تنمية حسه الوجداني اتجاه الآخرين.

صعوبات التواصل :

يجد الآباء بحكم طبيعتهم صعوبة أكبر للتواصل مع أبنائهم، وغالبا ما يمر حبهم إليهم عبر الأنشطة التي يشاركونهم إياها كالعبث أو لعب كرة القدم… فعلى الرغم من أن الأب أقل عطفا من الأم ، إلا أنه يمتلك طريقته الخاصة لإظهار حبه، لكنه مع ذلك في حاجة لإظهار هذا الحب.

غياب الأب: العواقب:

غياب الأب الفعلي أو النفسي في حياة الصبي يؤدي حتما إلى اختلال التوازن في نموه. نلاحظ بعد ذلك تطور اضطرابات في الشخصية، مثل عدم الاستقرار والغضب والعدوان وفرط الحركة العصبية والقلق والدافع. غالبًا ما ترتبط هذه السلوكيات بعلاقة سيئة بين الصبي وأبيه. سيكون لطفولة الصبي تأثير كبير على السلوكيات التي سيتبناها مع أطفاله لاحقا،  إذ نلاحظ أن الطفل الذي حظي بحضور والده سوف يشارك أيضا في حياته العائلية، و مع ذلك فالطفل الذي عانى من غياب والده، قد يصير أكثر انتباهاً لطفله لكن التحدي الذي يواجهه هو ابتكار نموذج خاص به.

لا شك أن وجود علاقة مثمرة بين الأب والابن سيكون لها تأثير إيجابي على هذا الأخير لكننا ننسى غالبا أن الأب يمكن أن يستفيد أيضا من هذه الديناميكية. من خلال الانخراط في حياة ابنه مما يساهم أيضًا في نموه الوجداني الذاتي.  كما لوحظ نوع من الزيادة العامة في التسامح الأبوي التي تطورت على الأرجح استجابة للسلطة المفرطة التي عانت منها عائلات الأمس. إن  دور الأب في حياة أطفاله أمر بالغ الأهمية، فمشاركة الأب في حياة ابنه مثلا لها تأثير مهم على تطور هويته الذكرية  وستشكل بطريقة ما الرجل الذي “سوف يصبح لاحقا “.

قد نراهن – من أجل هذه التسوية – على منطلقات ومرجعيات تؤسس للمتخيل المغربي، ولن نجد هناك مرجعية أكثر إقناعا من المرجعية القرآنية، لأنها من دون شك مصـدر إيمان لا يناقش ضمن هذه الخلفية، كما تقدم تمثلا خاصا للبنيتين المؤسستين للذات(أب طفل/ أم طفل) وهكذا نجده ينسج علاقة متميزة – وغير مسبوقة – بين الابن ونسقه العائلي، فسرعان ما يتم تجاوز وضع الصراع –الأوديبي – من أجل بناء علاقة من نوع آخر، وتشير سورة مريم إلى يحيى الابن، الذي يمثل امتدادا للأب زكريا، الذي حفت به ملامح تنبؤ بدنو الموت، ( وهن العظم- اشتعال الرأس شيبا…)؛ واستمرارا له في الزمان والمكان؛ إنه ليس قاتله بل على العكس من ذلك، إنه الابن الذي يهب حياة جديدة وانبعاثا للأب، و اسم “يحيى” كتجاوز و انتصار على الموت، أكبر تعبير عن هذا المعنى: [ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا * إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاء خَفِيًّا * قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا * وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا * يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا * قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا * قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا * قَالَ رَبِّ اجْعَل لِّي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا * فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا * يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا * وَحَنَانًا مِّن لَّدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا * وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّارًا عَصِيًّا * وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا]([1]).

هكذا نقف من خلال هذا القصص عند تمثل جد إيجابي للعلاقة بين الطفل وبنيته الأسرية، الطفل المزكى أي الطفل المبارك، بمعنى ذلك الذي يستطيع أن يحدد اختياراته ويعيش نوعا من الرضى في علاقته بالأب والأم كذلك، فزكريا منح فرصة لابنه يحيى ليؤسس ذاته كمختلف، كقادر على أن يحقق القيادة، لينبعث هو من خلال مرة أخرى، عبر موت رمزي (اعتزال الناس، الصوم) حتى تتسنى له الحياة من جديد عبره، إنه وليه،  فلقد تحولت العلاقة من “صراع” إلى “رحمة”، فوجود الأبناء هو في حد ذاته رحمة بالآباء، إن مبدأ الرحمة يؤسس للسلام عوض الصراع، سلام يبعد الألم ويستقطب اللذة .

:BIBLIOGRAPHIE

[1]- سورة مريم، الآيات: 1-15.

  • Sigmund Freud. L’Avenir d’une illusion. Collection Sciences humaines et religions. 2012
  • Andrée Robertson et Pierre Collerette. L’abandon scolaire au secondaire : prévention et interventions.  Revue des sciences de l’education
  • Danielle Paquette .La relation père-enfant et l’ouverture au monde.    Dans Enfance 2004/2 (Vol. 56).

1 Comment

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.