الدكتورة وادي تكتب: التوازن النفسي في ظل العلاقات الأسرية؛ إشكال الحب و الكراهية

بقلم الدكتورة خديجة وادي:

دكتورة في علم النفس وأستاذة جامعية بكلية ابن طفيل بالقنيطرة

 

الحب شعور شديد بالمودة والتعلق تجاه كائن حي أو شيء؛ يدفع من يشعر به إلى البحث عن قرب جسدي أو فكري أو حتى وهمي من الكائن الذي يمثل موضوع هذا الحب. و يمكن أن يؤدي الحب إلى تبني سلوك معين كما قد تنتج عنه علاقة رومانسية تشير إلى شعور عميق بالحنان والتعاطف اتجاه المحبوب ؛ ومع ذلك؛ حتى هذا المفهوم المحدد للحب يشمل مجموعة واسعة من المشاعر المتناقضة أحيانا، بدءاً من العاطفة الرومانسية والحب الرومانسي ، إلى التقارب الجنسي كعامل رئيسي في العلاقات الاجتماعية.

أما في اليونان القديمة  فكانت هناك 4 كلمات مختلفة لقول كلمة “حب” والتي تعتمد على السياق:

– حب نكران الذات ، إلهي ، كوني ، غير مشروط: (Agapè (ἀγάπη / agápê

– الحب الطبيعي ، التقارب ، المتعة الجسدية: (Eros (ἔρως / érôs

– عاطفة العائلة ، حب العائلة: (Storgê (ργήοργή / storgế

– صداقة ، حب خير ، متعة، شراكة: (Philia (/α / philía

لكن كيف يمكن الانتباه إلى الجانب المعقد للوجدان؟   و بأي معنى تظهر الكراهية كقطب ثان ضمن العلاقات الإنسانية؟

 

أصل العلاقات الإنسانية:

يتمسك علماء علم النفس التطوري برأي مفاده أن السلوكيات والصفات التي تصدر عن البشر في كل الثقافات هي نتاج الانتخاب الطبيعي للصفات الجيدة التي نتجت عن التكيف مع الظروف البيئية والاجتماعية، فمثلما حدث تكيف وتطور لأعضاء الجسم المختلفة كالقلب أو الرئة..إلخ، حدث تطور نفسي للسلوكيات والسمات.

إن نظرية التطور تعتبر النظرية العلمية الوحيدة التي بإمكانها تفسير تنوع الأنماط المختلفة للكائنات وأشكال الحياة و يسعى أصحابها إلى تفسير أسباب التطور في سلوك الإنسان إلى جانب التغيرات الفيزيائية والمعرفية ثم الوجدانية عبر كل مراحل الحياة، ( منذ كونه مجرد جنين وعبر مراحل النمو المختلفة من الطفولة إلى المراهقة والشباب بل حتى مرحلة الكهولة و الشيخوخة )، بمعنى؛ الاهتمام بالتطور الإنساني عموما سواء تعلق الأمر بتطوره كنوع أو كفرد.  لكن النموذج المفسر لهذا التطور و المستمد من نظرية “داروين”، يقدم منظومة قائمة على الصراع / الكراهية بين الأب ( قائد الجماعة ) و الابن ( الشاب الذي يرغب في انتزاع القيادة) الشيء الذي يحدث داخل الجماعة الحيوانية، و يتم تعميمه على الجماعة الإنسانية.( Sigmund Freud ; 1912 ; TOTEM et TABOU Interprétation par la psychanalyse de la vie sociale des peuples primitifs.)

لقد استثمر التحليل النفسي منطق هذه العلاقة لكنه انتبه إلى خصوصيات الذات الإنسانية، فالجماعة التي يتحدث عنها علماء النفس التطوري، هي جماعة العائلة  أي الإخوة و الأب و الأعمام و حتى الجد، أما النساء فهن من دون شك الأم و الأخوات و حتى زوجات الأب لذلك فنموذج الطوطم  يوضح بأن الرجل لم تكن لديه أمثلة أخرى غير الحيوان ولم يتعرف إلا على العشيرة التي ينتمي إليها؛ بعدها حدثت ثورة أظهرت بأن الإنسان ليس حيوانًا؛  لكن … كيف يمكن تحديد خصائص الإنسانية داخله ؟

التحليل النفسي و تفسيره لمفهومي الحب و الكراهية:   

بالنسبة للمحللين النفسيين الكراهية هي ، على نحو تقريبي ، مفهوم مثل الحب ومع ذلك  لا تخطئ، الكراهية ليست رد فعل على الحب بل هما معا الدافعان المميزان اللذان يتم تنظيمهما بشكل مختلف بواسطة الجهاز النفسي ،  بمعنى أن الجهاز أو النظام يحاول إيجاد حلول لتصريف الدوافع.  لقد نشأت الكراهية في البيئة الأسرية التي هي أساس تطورنا النفسي ، فمن خلال عقدة أوديب تظهر تلك الرغبة البدائية التي تستهدف الانفلات من سلطة الأب، ومن الخوف الكبير منه (عقدة الإخصاء).

الحب و الكراهية إذن يتجاذبان حياة الإنسان منذ لحظاته الأولى، فلم تغفل ميلاني كلاين (Julia Kristeva;2000 ; le génie féminin )  هذا الجانب العميق من الشخصية  و انتبهت إلى ظهوره  في مراحل قديمة من الحياة تعود إلى مرحلة الرضاعة، و لأن هناك ألم الفقدان يتمنى الطفل إبعاد موضوع الألم (الأم  ) فيتمنى زواله، لكنه يعي بعدها بأن الأم هي نفسها موضوع اللذة، فيعمد إلى إبعاد الألم نحو الخارج، مما يفرز ملامح السادية ثم المازوشية (كنتيجة للإحساس بالذنب)، لكن ماذا نعني بالحب في التحليل النفسي؟

عندما يولد الطفل ، فإنه لا يميز بيئته الخارجية عن جسمه، كما يحتفظ بنفس الإحساس الذي ميز حياته داخل الرحم.  (أي أنه لا يميز بين ما ينتمي لجسمه  و الشيء الخارجي عنه)  لذلك يري لا يمكننا بعد التحدث عن الحب ، فالطفل لا يشعر بالعالم كما نشعر به ، لكننا سنرى أن الحب موجود بالفعل.

بعد ولادة الطفل يستمر في عدم التمييز بين ذاته و ذات الأم، فلا وجود لمنطق الداخل و الخارج، لهذا يعتقد بأن الأم جزءًا منه  مادامت وسيلته لتحقيق حاجياته البيولوجية و أولها الحصول على الطعام؛ فالطعام في هذه المرحلة مرادف للبقاء على قيد الحياة لذلك يصير محور وجوده. و مع ذلك ترى )1982 ,   (Dolto  أن حب الأم موجود منذ الولادة وحتى قبل الولادة، أي أن الجنين يشعر باكراً بكل ما تشعر به الأم.

هذا هو أول لقاءنا مع الحب ، إنه يأتي من الأم، بل إن أول إحساس بالكراهية ينبثق عن الأم كذلك ، و حتى إذا لم نكن مدركين لذلك ، فإن هذا اللقاء الأول مع الأم سيمثلنا لبقية وجودنا. إذن كيف يتطور هذا الإحساس المتناقض اتجاه  الشخص بذاته.

مراحل التطور  و انبثاق الإحساس المزدوج بالحب و الكراهية:

 مرحلة الرضاعة:

يلاحظ لدى الرضيع ارتباط و تعاطف قوي بينه و بين أمه مما لا يترك مجالا للقول بأنه  ارتباط طبيعي و مؤسس للشخصية. إنه  يدرك أيضًا الحالة المزاجية لأمه  و يتفاعل معها

فهناك قناة تواصل حقيقية بين الأم والطفل و هذه القناة هي قناة الحب، فبدون حب لن يكون ذلك ممكنا.

إن تلك  التجربة العاطفية ستفتح الطريق أمام تجارب أخرى مطبوعة بطابع الأولى، فهي إما حياة يطبعها التوازن و الرضى( حب) أو يسودها ألم و تدمير للذات و الأخر معا ( الكراهية).

أما حوالي سن الستة أشهر، سيحدث تطور جديد و هو ظهور الابتسامة أمام كل وجه يظهر له ولو كان مجهولا، وسيظل يبتسم للوجوه المعروفة ، خاصة والدته.

سيكون لهذا التغيير بعد ذلك تأثير جديد ألا وهو أن الطفل بعد أن أدرك أن والدته ليست جزءًا منه فإنه سيخاف فقدانها مما يفرز قلقا يستجيب الطفل له بنوع من الذعر و يسمى  بقلق الشهر الثامن. إنها مرحلة عصيبة بالنسبة للرضيع ، وهي فترة اكتئاب و منها ينبثق الاكتئاب عند الراشد إن كان هناك فعلا انعدام الشعور بالثقة في الاحتفاظ بالأم.

حبنا الأول يأتي من الحاجة لهذه الأم. هذا هو أول لقاء لنا مع الحب ، لقد تلقينا أولاً الحب ولكن دون أن نكون مدركين حقًا لما كان عليه. ثم اكتشفنا أخيرًا ما هو عندما ندرك أننا يمكن أن نخسره ، ويترتب على ذلك أننا نقع في حب أنفسنا و بالتوازي مع حياتنا البالغة ندرك أحيانًا أو حتى في كثير من الأحيان أن الحب الذي نحمله اتجاه الآخر  نكتشفه عندما نفقده، و يبدو أن أصل هذه الآلية مستمد من هذه اللحظة بالذات.

مرحلة المرآة:

بين ستة وثمانية عشر شهرًا ، سيصل الطفل إلى مستوى جديد ، من وجهة نظر “لاكان”

و هي مرحلة المرآة. و يمثل ذلك بمشهد مفترض؛ الطفل أمام المرآة مع والدته ، تنعكس صورتهما بواسطة المرآة، ثم يلجأ الطفل إلى والدته وينظر إليها بقول “إنها أنت” ، مبينًا انعكاس والدته على المرآة. الأم تجيب: “نعم ، أنا”. ثم تُظهر الأم للطفل انعكاسها في المرآة وتقول “انظر هذا أنت”. ينظر الطفل إلى صورته ، ويفهم أنها هي ومن ثم يلجأ إلى والدته مبتسماً ويجيب “نعم ، أنا”.

إنها مرحلة مهمة للغاية ، وهي عنصر مؤسس في الطفل، فمنذ ولادته ، سوف يشعر لأول مرة  بذاته كموضوع. سوف يولد “أناه” في هذه اللحظة ، لكنه سيكون قادرًا على وضعه بفضل وجود الآخر (الأم) أمام المرآة. يحتاج إلى أن يتعرف على نفسه من خلال التعرف على الآخر. ستمر صورته عبر نظرة الآخر. و تشكل هذه النظرة أهمية كبيرة هنا لأنها ستلمس نرجسية الطفل (حب الذات)، لذلك لابد أن يتم بناؤها بشكل إيجابي و إلا ستنهار الذات حالما لا يستطيع الطفل بناء صورة إيجابية على ذاته.

المرحلة الشرجية:

سيشير ظهور مرحلة المرآة إلى الانتقال من المرحلة الفمية إلى المرحلة الشرجية، في هذا السن سيتعلم الطفل النظافة. فلأول مرة ، سيمتلك السلطة عن طريق التحكم في  مخرجه ، البراز هو كائن داخلي و خارجي. إنه جزء منه كان في الداخل وبعد الطرد ينتهي في الخارج. و بدافع حب أمه، وأيضًا من أجل حبها يسعى إلى أن يصبح نظيفا. و هنا بالضبط نخلق الأساس للرابط الموجود بين الحب والتملك.

إنها أيضًا مرحلة التماهي مع الأب كنتيجة لرغبة في العثور على الأم. فالطفل سيفهم أن هذا الآخر يحتكرها ، و لديه سلطة لا يملكها و في سعيه للحصول على السلطة ، سيتعرف على الأب. سيحب الأب وسيريد أن يكون محبوبًا من قِبله لكي يمتلك قوته وبالتالي يمكنه أن يحظى بالأم. بعد التماهي مع الأم سيرى الأب بأعين الأم .

يترتب على ذلك أننا جميعًا نمتلك ، سواء كنا رجالًا أو امرأة ، جزء من الذكورة وجزء من الأنوثة، لذلك  ففشل العلاقة مع الأب في هذه المرحلة قد يؤدي إلى كراهية للذكورة سواء كان الطفل أنثى أم ذكر، و إلى رغبة متكررة لكسب قلب هذا الأب، مما قد يخلق ارتباكا في التوازن المفترض. و في حالات السواء سوف يعلم الأب الطفل بطريقة ما أن الحب ليس حصريًا ، وأن الأم يمكن أن تحب شخصًا آخر غيره  وأنه (الطفل) يمكنه أن يحب شخصًا آخر غير الأم.

المرحلة القضيبية:

سيتعرف الطفل الذكر أكثر إلى جسمه، فيكشف مناطقه الحساسة، فيما ستحس الأنثى – في نظر فرويد و لاكان- بالبتر أو الإخصاء، لأنها في مرحلة لا تستطيع خلالها اكتشاف جزئها الخفي ربما. وتتراوح أعمارها بين ثلاث إلى خمس أو ست سنوات. و من داخل هذه المرحلة سيعيش كلاهما الأوديب ، بنفس الشكل بداية أي حب للأم و كراهية للأب، بينما سيتحول فيما بعد لدى الأنثى لتعيش صراعا مع الأم و حبا في اتجاه الأب.

تستند عقدة  أوديب إلى فكرة حظر قتل الأقارب؛ كما أوضح ذلك فرويد في “الطوطم والطابو”  فحظر قتل المحارم هو قانون إنساني عالمي و أشار كلود ليفي شتراوس  ( عالم الأنثروبولوجيا ) هو الآخر إلى ذلك ،كما يمكن استعراض العديد من الأبحاث الأخرى التي تؤكد بأنه  مهما كانت ثقافة أكثر الشعوب بدائية ، فإن حظر قتل القربى قاعدة ذهبية موجودة في كل مكان وهي أقوى قاعدة للبشرية.

سيختبر الطفل  في نفس الآن إحساسا متناقضا، و هو سبب التناقض المعروف في عالم الكبار  بحيث يمكنه أن يحب شخصًا ما إلى درجة كبرى و أن يكرهه بنفس الحد،  فالخط الفاصل بين الحب والكراهية هش مع العلم أنه يمكن للمرء أن يتحول من واحد إلى آخر بسهولة تامة ، كما هو الحال في عقدة أوديب و بهذا تولد  قدرة الطفل على حب الآخرين. لذلك فإن عقدة أوديب ضرورية لتطورنا الرومانسي الجيد، و لكي يعيش الطفل منطق الهجرة، ليؤسس بنيته الخاصة.

استنتاجات مهمة: 

بهذا الاختبار سيتم التمييز بين  الذكور والإناث ،و بفضل التجاوز المفاجئ لعقدة أوديب، سيكون للطفل الذكر قدرة أكبر على الانفصال أكثر من الطفل الأنثى؛ و مع ذلك يستمر الأوديب داخله أيضًا  . إن الصراع العميق مع الأب قد يجعلنا من دون شك نعيش نكوصا دائما ضمن اللحظة، بينما القدرة على تجاوز الوضع و بناء السواء يعززه حضور الأب المحتضن و غير الرافض لمن يزاحمه في حب الأم ( الأم مجرد أداة  للأب) .

إن السواء الأسري يجعل الطفل قادرا على بناء نموذج للحب الذي سيعيشه مع شخص أخر غير الأب أو الأم، لكن فشل المرحلة سيجعل الولوج إلى المرحلة الموالية مستحيلا، بل إن مبدأ الصراع  سيعم كل الحياة، و سيترك الطريق مفتوحا أمام الكراهية عوض الحب.  فالعلاقة بين الإثنين لا تحتكم دائما إلى مشاعر المحبة بل إنها في أحيان كثيرة تستند إلى آلية التدمير و العدوانية في شكليها “السادي” ( تعذيب الآخر) و “المازوشي” (تعذيب الذات).

 

 

BIBLIOGRAPHIE

 

  • Dolto; Séminaire de psychanalyse d’enfants 1 ;Seuil ; 1982
  • Julia Kristeva; le génie féminin; Folio ;2000  
  • Sigmund Freud ; TOTEM et TABOU Interprétation par la psychanalyse de la vie

             sociale des peuples primitifs ;1912 .       

  • Jacques Lacan. Le stade du miroir comme formateur de la fonction du Je telle qu’elle nous est révélée dans l’expérience psychanalytique. Communication faite au XVIè Congrès international de psychanalyse, à Zürich, le 17 juillet 1949.
  • Amour et désir chez Freud et Lacan Publié sur EPHEP (https://ephep.com)

–                   Lacan, l’amour

            www.cairn.info/revue-psychanalyse-2007-3-page-5.htm

 

 

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.