تركيا: دخول سياسي غير مسبوق على وقع نزاع شرق المتوسط وتداعيات “كورونا”

تستهل تركيا دخولها السياسي والاقتصادي والاجتماعي على وقع ملفات شائكة؛ أبرزها وضع جيو-سياسي متوتر على خلفية الصراع حول مصادر الطاقة شرق المتوسط، واقتصاد بمؤشرات متأرجحة يكابد لتجاوز التداعيات الكارثية لفيروس “كورونا” على قطاعات حيوية، ومشهد سياسي يحتدم فيه النقاش حول انتخابات رئاسية مبكرة.

ويحتل السباق المحموم على التنقيب عن الغاز شرق المتوسط صدارة الملفات الشائكة ،التي تدبرها تركيا في المرحلة الراهنة على الصعيدين الداخلي والخارجي.

نزاع قديم/جديد يعكر صفو العلاقات مع الجارة اليونان، عاد إلى الواجهة بمجرد تحرك سفن تنقيب تركية صوب مياه شرق المتوسط والحديث عن اكتشاف مخزون مهم من البترول والغاز، ما ينذر باندلاع مواجهة قوية تهدد استقرار دول المنطقة إن هي أصرت على مواقفها المتصلبة.

شرق المتوسط برمته يعيش على وقع توتر غير مسبوق تزيد من حدته المواقف المتشنجة لكل من تركيا واليونان وانضمام دول أخرى للنزاع، ودخول حلف شمال الأطلسي (الناتو) والاتحاد الأوروبي على الخط المواجهة، ناهيك عن المناورات العسكرية التي باتت روتينا يوميا، هي في الواقع استعراض خطير للقوة بما استجد من أسلحة حربية جد متطورة، يثير المخاوف من تحول أول احتكاك غير محسوب إلى شرارة لاشتعال حرب ضروس.

ووفقا لهيئة المسح الجيولوجية الأميركية والشركات العاملة في التنقيب بالمنطقة ،يقدر حجم الثروة الطاقية بشرق المتوسط بحوالي 122 تريليون قدم، ما يشكل بالنسبة للبلدان المطلة على المنطقة ليس فقط حلا لتخفيف عبء فاتورتها الطاقية، بل أيضا محركا رئيسيا لازدهار اقتصاداتها، وورقة رابحة لتحالفات جيو-سياسية قوية، كما يظهر ذلك جليا من خلال دعم الاتحاد الأوروبي لليونان وقبرص الجنوبية في نزاعهما ضد تركيا.

وسيمكن امتلاك آثينا ونيقوسيا لموارد طاقية مهمة المنتظم الأوربي من ضمان أمنه الطاقي، والأهم من ذلك القدرة على تحجيم مكانة روسيا عبر التقليل من أهمية مشروع “السيل الشمالي-2” ،الذي تعتبره القوى الدولية محاولة من موسكو لإحكام سيطرتها على إمدادات الطاقة إلى أوروبا.

أما تركيا، المزهوة بالاكتشافات الضخمة للغاز الطبيعي في البحر الأسود أواخر غشت الماضي ،والتي تصل إلى 320 مليار متر مكعب، فتدفع بشرعية تحركاتها في المنطقة وبحقها في تأمين حصتها من مخزون الطاقة، وتثبيت حقوقها بعد الغبن التاريخي الذي لحق بها من حيف اتفاقيات جرى توقيعها في الماضي، وفرضت على الدول التي أنهكها الاستعمار.

وفي هذا السياق، اعتبر الخبير في الشأن التركي سعيد الحاج أن معاهدة “لوزان 1923” ألحقت بتركيا ظلما بينا، خصوصا في ما يتعلق بجزر بحري إيجه والمتوسط ، ذلك أنها أعطت السيادة على بعض الجزر العثمانية والقريبة من البر التركي لإيطاليا، والتي تنازلت عنها لليونان بعد الحرب العالمية الثانية، مستحضرا مثال جزيرة “ميس” الصغيرة، حيث تبعد عن تركيا بحوالي كيلومترين وعن اليونان بحوالي 580 كلم، لكنها جزيرة يونانية.

وحسب خبراء في قانون البحار، تتوخى تركيا، بإصرارها على إعادة ترسيم الحدود البحرية، استعادة جزرها “المسلوبة” وبالتالي تشكيل خريطة مياه إقليمية ودولية جديدة تضمن مصالحها الحيوية، وتمكنها من موقع بارز بين المتنافسين على الزعامة الإقليمية.

وسجلوا أن تركيا تدرك أهمية استغلال مرحلة “اللاتوافق” التي يجتازها الاتحاد الأوربي، إذ في الوقت الذي تقوم فيه ألمانيا بدور وساطة لإيجاد حل يرضي الطرفين تفاديا للأسوء، تُشهر فرنسا عداءها لتركيا، بدءا بدعم لليونان تجاوز التصريحات النارية “المتحيزة” إلى المشاركة بسفن حربية وطائرات مقاتلة في المناورات العسكرية، وصولا إلى التلويح بفرض عقوبات على تركيا.

وفي ردها على انقسام الموقف الأوربي، تؤكد تركيا أن اليونان وقبرص لا تنفكان عن استغلال عضويتهما في الاتحاد الأوربي للضغط عليها، معتبرة أنه منتظم إقليمي لا يتمتع بصلاحية التدخل في النزاع بين الدول، فبالأحرى التحكيم في ما بينها.

بدوره، يسارع حلف شمال الأطلسي (الناتو) الزمن لتفادي اندلاع حرب بين بلدين عضوين به، يحتل فيه الجيش التركي الرتبة الثانية بعد الأمريكي، وذلك من خلال حث الطرفين على الدخول في مفاوضات جادة كسبيل للتهدئة، وإن لم يتوصلا إلى حل نهائي.

أما واشنطن المنشغلة في الوقت الراهن بشأنها الانتخابي، فيظل موقفها مبهما رغم أنها عبرت صراحة عن عدم رغبتها في وقوع صدام مباشر بين قوتين عسكريتين عضوتين في الناتو، تستخدمان نفس العتاد العسكري، مع ما قد يترتب عن هذا الصراع من تفكك حلف تقوده هي وله وزنه على الصعيدين الإقليمي والدولي.

وفي ظل كل هذه الأجواء والمواقف المتضاربة التي تحركها مصالح استراتيجية متشابكة، يطرح السؤال حول مدى قدرة وجدية الأطراف المتنازعة على خوض حرب غير محسومة النتائج، وحول خلفية هذا التصعيد في الخطاب الذي ليس سوى مقدمة لمفاوضات “خشنة” تضمن لأطرافها تحقيق أكبر قدر من المصالح.

اقتصاديا، لم تكن تركيا، على غرار باقي دول العالم، في منأى عن الضرر البالغ الذي تسبب فيه فيروس “كورونا” نتيجة التوقف الشامل لقطاعات حيوية تشكل دعامة للدورة الاقتصادية الداخلية، ومن أبرزها قطاعات السياحة والصناعة والصادرات، غير أنه من الملاحظ في الآونة الأخيرة أن بعض المؤشرات بدأت تتفاعل إيجابيا مع التطورات على الصعيدين المحلي والعالمي.

ويتوقع محللون اقتصاديون أن يتواصل انتعاش الاقتصاد المحلي خلال النصف الثاني من سنة 2020، بعد الانحسار النسبي للآثار السلبية ل”كورونا”، الذي خلف تراجعا كبيرا في حجم صادرات تركيا نحو جميع الوجهات، ولاسيما الاتحاد الأوروبي، وفي عائدات السياحة وأنشطة النقل ذات الصلة بسبب قيود السفر لمنع انتشار الفيروس.

وأضافوا أن السلطات ستواصل تدابيرها الاستعجالية قصد التخفيف من تداعيات تفشي الفيروس على الاقتصاد المحلي جراء ارتفاع معدلات البطالة (13,4 في المئة في يونيو 2020) ،والتضخم (11 في المئة في غشت المنصرم) ،وتراجع المالية العامة بعد انهيار الليرة التركية، ما جعل البنك المركزي يسارع إلى خفض متوال في أسعار الفائدة (8,75 في المئة في أبريل 2020)، لتحفيز النشاط الاقتصادي من خلال تشجيع المستثمرين على الاقتراض، وضخ المزيد من السيولة في الأسواق المالية.

وسيكون لزاما على السلطات في البلاد الاستمرار في اتخاذ تدابير تضامنية وأخرى استباقية ذات وقع اجتماعي لتقليص انعكاسات “كورونا” على فئات واسعة من المجتمع التركي تضررت بشكل كبير ومباشر من إجراءات الإغلاق التي فرضها الفيروس.

ومن المؤكد أن الآخذين بزمام السلطة في البلاد واعون تماما بجدية هذا التأثير السلبي على نفسية المواطن/الناخب المنهكة بتداعيات الجائحة، وذلك بالرغم من بُعد موعد الاستحقاق الانتخابي المقبل، فالرئيس التركي ورئيس حزب العدالة والتنمية الحاكم رجب طيب أردوغان قطع الطريق على المروجين لأطروحة انتخابات مبكرة، وأكد الأسبوع الماضي أنه ماض في إدارة البلاد لثلاث سنوات أخرى، وأن الانتخابات الرئاسية المقبلة ستجرى في موعدها المحدد أي يونيو من سنة 2023.

وبحسب المتتبعين للشأن الداخلي، فإن المشهد السياسي التركي بطبيعته  يعيش حالة دائمة من التجاذبات والتقاطبات زاد من حدتها الانتقال إلى النظام الرئاسي؛ وهو النظام الذي ضخ زخما متجددا في دينامية الأحزاب السياسية، سواء من حيث موقعها في الساحة السياسية، أو من حيث التوازنات داخلها وفي ما بينها.

ويبدو أن إعلان رئيس حزب الحركة القومية دولت بهجلي عن الرئيس الحالي  مرشحا للحزب وتحالف الامة في الانتخابات الرئاسية المقبلة، جاء ردا واضحا على تدارس أحزاب المعارضة إمكانية ترشيح منافس واحد مشترك لأردوغان في الانتخابات الرئاسية المقبلة.

وفي هذا السياق، كشف الكاتب الصحفي دنيز زيرك المقرب من حزب الشعب الجمهوري المعارض عن إمكانية ترشيح زعيمة حزب “الجيد” ميرال أكشنر أو رئيس حزب الديمقراطية والنهضة علي باباجان، كمرشح مشترك للمعارضة في الانتخابات المقبلة، وهو التكتل الانتخابي الذي قد يخلق المفاجئة ،مستفيدا من الانشقاقات التي شهدها العدالة والتنمية، بعدما خرج من رحمه حزبان سيقرضان بكل تأكيد، من هيئته الناخبة إذا ما خاضا غمار أي استحقاق انتخابي.

ويرى مراقبون أن الانتخابات المبكرة غير مرجحة، رغم الترويج لها من قبل حزب الشعب الجمهوري، لا سيما في ظل رغبة أردوغان في الاستفادة من تدبيره لأزمة “كورونا” التي رفعت من شعبيته؛ فمن منظور قانوني صرف، القرار يحتاج إلى أغلبية برلمانية، لا يملكها سوى حزب العدالة والتنمية مع حليفه الحركة القومية، وهما معا أكدا رغبتهما في استكمال أردوغان لولايته الرئاسية الأولى.

وإذا كان من شأن الإبقاء على الانتخابات في موعدها إضفاء نوع من الاستقرار على المشهد السياسي الداخلي، وجرعة من الثقة على اقتصاد البلاد لتجاوز مرحلي لمحنة “كورونا”، فحدة التصعيد المتزايد في شرق المتوسط تضع تركيا أمام مخاطر قد تعصف بمكاسبها وترهن طموحها في تثبيت ريادتها الإقليمية.

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.