بوسلهام الكريني يكتب: الشباب بين مطلب التغيير والعزوف السياسي: أزمة مشاركة أم أزمة ثقة؟

إشراقة نيوز: بوسلهام الكريني

في زمن تتعالى فيه الأصوات المطالبة بالحرية والكرامة وتجويد العمل السياسي، يبرز الشباب كقوة حيوية تحمل شعلة التغيير، وترفع شعارات الإصلاح والعدالة الاجتماعية. غير أن المفارقة المؤلمة تكمن في أن هذه الفئة نفسها، التي تطالب بالتحول الديمقراطي، تظل في كثير من الأحيان غائبة عن مواقع الفعل السياسي، منخرطة في عزوف جماعي عن الأحزاب، والمجالس المنتخبة، ومؤسسات تدبير الشأن العام.

يبرر كثير من الشباب هذا الانسحاب بعدم الثقة في الأحزاب السياسية، ورفضهم لما يعتبرونه “مسرحية انتخابية” لا تعكس تطلعاتهم ولا تمثلهم. لكن هذا الموقف، وإن كان مفهوما في سياق الإحباط العام، يطرح سؤالا جوهريًا: هل يكفي التنديد من خارج المؤسسات؟ وهل يمكن للتغيير أن يتحقق دون انخراط فعلي في آليات صنع القرار؟

غياب الشباب عن الساحة السياسية يترك المجال مفتوحا أمام فئة من “ضعاف النفوس”، ممن يحترفون التلاعب بالذمم، ويقتاتون من موائد الانتخابات، دون رؤية أو كفاءة. هؤلاء لا يطمحون إلى خدمة الصالح العام، بل إلى تكريس مصالحهم الشخصية، مستغلين ضعف المشاركة الشعبية، وغياب الرقابة المجتمعية.

والنتيجة؟ مجالس منتخبة تفتقر للكفاءة، وسياسات محلية تعيد إنتاج الأزمة بدل حلها، لتمتد آثارها لسنوات طويلة.

والمسؤولية لا تقع فقط على الأحزاب أو الدولة، بل أيضًا على الشباب أنفسهم. فالمطالبة بالتغيير لا تكتمل إلا بالفعل السياسي الواعي، والانخراط في بناء البدائل، وتقديم نماذج قيادية جديدة.

التغيير لا يُستورد، بل يُصنع من الداخل، عبر المشاركة، والمساءلة، والتكوين، والعمل الجماعي.

إن تجويد العمل السياسي يبدأ من القاعدة: من الحي، من الجماعة، من المدرسة، من الجمعيات، ومن صناديق الاقتراع.

والشباب، بما يملكونه من طاقة، ووعي، ورغبة في الإصلاح، هم الأقدر على قلب المعادلة، شرط أن يتحولوا من موقع النقد إلى موقع البناء.

فهل آن الأوان ليتحول العزوف إلى انخراط؟ وهل يمكن أن نرى شبابا يقودون التغيير من داخل المؤسسات، لا من هامشها؟

الكرة في ملعبهم، والتاريخ لا ينتظر المتفرجين.

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.