ليلى فيروشان تكتب: من يدفع ثمن الأزمات؟ حين تتحول الضرائب إلى المستفيد الأكبر من غلاء المحروقات…

إشراقة نيوز: ليلى فيروشان

في كل مرة تندلع فيها أزمة دولية، سواء كانت حربا أو توترا جيوسياسيا كما هو الحال مع التطورات الأخيرة في الشرق الأوسط، تكون أولى انعكاساتها المباشرة ارتفاع أسعار المحروقات، ثم تمتد آثار هذا الارتفاع إلى باقي المواد الغذائية وكلفة النقل ومختلف مناحي الحياة اليومية. و أمام هذا الوضع ، تسارع الحكومة إلى الإعلان عن دعم مهنيي النقل، فيقدم القرار باعتباره تدخلا لحماية القدرة الشرائية والحد من انتقال آثار الغلاء.

غير أن هذا التصور، رغم وجاهته الظاهرية، يخفي واقعا أكثر تعقيدا، و يطرح إشكالا حقيقيا من زاوية العدالة الجبائية ودور الدولة في تدبير الأزمات, ذلك أن كل ارتفاع في أسعار المحروقات والمواد الغذائية يواكبه بشكل تلقائي ارتفاع في الضرائب المستخلصة، خاصة المرتبطة بالاستهلاك, فالدولة تستفيد مباشرة من نفس الارتفاع الذي يثقل كاهل المواطن، دون الحاجة إلى أي تعديل قانوني. وهكذا تتحول الأزمات، بشكل غير مباشر، إلى مصدر مدا خيل إضافية للخزينة.

في هذا السياق، يبرز تناقض لافت: فالحكومة ، التي تعلن عن دعم مهنيي النقل، لا تضخ في الواقع موارد جديدة بقدر ما تعيد توزيع جزء محدود من هذه المداخيل الإضافية. والنتيجة أن المواطن يتحمل الكلفة الكاملة للارتفاع، بينما تستفيد الدولة من تداعياته، قبل أن تعيد جزءا يسيرا منه في شكل دعم يقدم كإجراء استثنائي.

غير أن الإشكال لا يقف عند حدود الضرائب فقط، بل يتجاوز ذلك إلى غياب تدخل فعلي لضبط سلوك الفاعلين في السوق. فالدولة، رغم تقارير مجلس المنافسة والغرامات التي تم فرضها على بعض شركات المحروقات بسبب ممارسات تهم الأسعار وهوامش الربح، لم تذهب في اتجاه تسقيف الأرباح أو فرض رقابة صارمة تضمن شفافية تحديد الأسعار, وهو ما يطرح تساؤلات مشروعة حول مدى جدية حماية السوق من أي انحرافات محتملة.

الصمت عن المراقبة الفعالة، والاكتفاء بإجراءات محدودة، يترك المجال مفتوحا أمام استمرار نفس المنطق: ارتفاع الأسعار، تضخم الأرباح، وغياب آلية حقيقية لضبط التوازن.

وفي المقابل، نجد بعض التجارب الدولية تعطي نموذجا مختلفا،ففي اسبانيا، على سبيل المثال، تم اعتماد مقاربة اكثر شمولية، تقوم على تخفيض الضرائب بشكل مباشر، الى جانب تفعيل اليات المراقبة واجراءات اجتماعية مرافقة، بما يعكس دورا أكثر فاعلية للدولة في حماية التوازن الاقتصادي.

حماية القدرة الشرائية تقتضي مقاربة شاملة تقوم على تدخل مزدوج.أولا، تسقيف الضرائب المرتبطة بالمحروقات والمواد الأساسية، حتى لا ترتفع تلقائيا مع الأسعار الدولية، ولا تتحول إلى عبء إضافي على المواطن. وثانيا، تسقيف أرباح شركات المحروقات، وفرض مراقبة صارمة وفعالة على تركيبة الأسعار وهوامش الربح، لضمان عدم استغلال الأزمات لتحقيق أرباح مفرط , لأن ترك السوق دون ضبط، في ظل محدودية المنافسة، قد يؤدي إلى نتائج لا تعكس الكلفة الحقيقية، بل منطق تعظيم الأرباح على حساب المستهلك.

 

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.