إشراقة نيوز: هذه المقالة ليست لا من باب المجادلة المجردة، ولا الانتصار الفئوي الضيق، وإنما انطلاقا من اقتناع عميق بأن النقاش الدائر اليوم حول مشروع قانون تنظيم مهنة المحاماة ينبغي أن يظل نقاشا مؤسسا على روح الإصلاح، والإيمان بأن قوة المهنة لا تكمن فقط في تحصين استقلالها، بل أيضا في قدرتها على الانفتاح الواعي على الكفاءات القانونية التي يمكن أن تثريها وتدعم رسالتها داخل منظومة العدالة.
وإذا كانت المحاماة، كما استقر في الوجدان المهني والدستوري، مهنة حرية وكرامة واستقلال، فإن هذا الاستقلال لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر لتوسيع حالات التنافي على نحو يجعل بعض الكفاءات القانونية، وفي مقدمتها الأستاذ الجامعي في مادة القانون، موضوعة خارج إمكان التكامل الطبيعي مع المهنة. ذلك أن مشروع القانون، وهو يعترف في المادة 13 بقيمة الأستاذ الجامعي العلمية وما راكمه من خبرة قانونية تؤهله للاستفادة من مسلك خاص للولوج إلى المحاماة، يعود في المادة 14 ليكرس منطق التنافي مع الوظيفة الجامعية القارة، بما يجعل هذا الاعتراف نفسه اعترافا ناقصا، لأنه يجيز الانتقال إلى المهنة، ولا يجيز التعايش معها.
- من سياق تعديل القانون إلى خصوصية الحالة المغربية
يأتي مشروع قانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة في سياق مراجعة واسعة للإطار القانوني المنظم للمهنة بالمغرب، وهي مراجعة لا تقف عند حدود إعادة ترتيب بعض الشروط الإجرائية للولوج، بل تمتد إلى إعادة تحديد طبيعة المهنة وموقعها ضمن منظومة العدالة وحدود ممارستها. فالمشروع يقرر منذ مادته الأولى أن المحاماة مهنة حرة ومستقلة، تمارس وفق مقتضيات القانون والنصوص المتخذة لتطبيقه، وتساهم في تحقيق المحاكمة العادلة والدفاع عن حقوق الإنسان، بما يجعلها جزءا من أسرة القضاء، وأعلم جيدا تحفظ بعض زملائي الفضلاء من التعبير لكن جوابي لهم عبارة عن سؤال، – إنها المفارقة و المعانقة معا – هل يمكن تصور محاكمة دون دفاع؟ دون محام تتحول المحاكمة إلى إدانة مباشرة، وبالتالي يمكن ” الدفع ” بأن المحاماة بما تكفله من حق الدفاع من عناصر تعريف المحاكمة
ولا يخفى أن أهمية هذا المشروع لا تتجلى فقط في ما استحدثه من مقتضيات، بل أيضا في الكيفية التي رتب بها موضوعاته. فقد جمع الباب الثاني بين الولوج إلى المهنة وحالات التنافي، بما يفيد أن المشرع لا يفصل بين شروط اكتساب الصفة المهنية وبين الحدود القانونية التي تمنع الجمع بينها وبين أوضاع أو وظائف أخرى.
وهذا الاختيار البنيوي يكشف أن هوية المحامي، في تصور المشروع، لا تتحدد فقط بما يجب أن يتوافر فيه من تكوين وكفاءة، وإنما أيضا بما يجب أن يتحرر منه من روابط أو أوضاع قد ينظر إليها باعتبارها مؤثرة في استقلاله المهني.
يثير المشروع، في هذا الإطار، سؤالا دقيقا يتجاوز مجرد شروط الولوج إلى مهنة المحاماة، ويتمثل في مدى اتساق تصور المشرع المغربي للعلاقة بين الجامعة والمهنة. فإذا كانت المادة 13 تعترف لأساتذة التعليم العالي في مادة القانون بمسلك استثنائي ومخفف للولوج إلى المحاماة، فإن المادة 14، في المقابل، تؤسس لنظام التنافي الذي يمنع الجمع بين المحاماة والوظيفة الجامعية القارة. ومن ثم، تطرح الإشكالية الآتية: إلى أي حد يعكس المشروع انفتاحا حقيقيا على الخبرة الأكاديمية القانونية، وإلى أي حد يظل أسير تصور تقليدي يقوم على الفصل الوظيفي بين الجامعة والمحاماة؟
إن قراءة مشروع 66.23 تكشف بوضوح أنه لا يقتصر على ضبط إجراءات الولوج فحسب، بل يعيد تنظيم المهنة في مستويات متعددة تشمل الشروط العامة للترشح، ونظام التكوين، وفترة التمرين، وكيفيات التسجيل، وحالات التنافي، ومهام المهنة، وواجبات المحامين، وحصانة الدفاع، والنظام التأديبي
فالمادة 5 تجعل الأصل في الولوج إلى المهنة هو اجتياز مباراة ولوج المعهد، ثم قضاء فترة التكوين والحصول على شهادة الكفاءة ومباشرة التمرين، مع مراعاة الاستثناءات الواردة في المادتين 12 و13، كما أن المادة 7 تحدد التمرين العادي في أربعة وعشرين شهرا، منها عشرون شهرا بمكتب محام يعينه النقيب وأربعة أشهر تدريب في مجال ذي صلة بممارسة المهنة. ويظهر من هذا النسق أن المشروع يسعى إلى تحقيق نوع من التوازن بين التأهيل العلمي والتأهيل العملي والضبط الأخلاقي والمؤسساتي للممارسة المهنية.
ويكتسي هذا السياق أهمية خاصة في ما يتعلق بوضعية الأستاذ الجامعي في مادة القانون، لأن المشروع لا يعالجه ابتداء باعتباره فاعلا أكاديميا يمكن أن يجمع بين وظيفته الجامعية ومهنة المحاماة، بل باعتباره منتميا إلى فئة قد تستفيد، عند تحقق شروط معينة، من مسلك خاص للولوج إلى المهنة. وبذلك فإن المشروع لا ينطلق من سؤال التكامل بين الفضاءين، بل من سؤال الانتقال من أحدهما إلى الآخر، وهو ما سيظهر بوضوح أكبر عند قراءة المادتين 13 و14 معا.
إذا كان النقاش ينصرف غالبا إلى المادة 13، فإن الأساس الحقيقي للإشكال يوجد في المادة 14. فهذه المادة تقرر أن مهنة المحاماة تتنافى مع كل نشاط تجاري، ومع بعض أوضاع التسيير في الشركات، ومع جميع الوظائف الإدارية والقضائية، ومع جميع المهن الحرة الأخرى، ومع مهام محاسب أو أجير أو مستخدم خاضع لمدونة الشغل، مع استثناء وحيد يتمثل في ممارسة التدريس بصفة عرضية في المعاهد والكليات ،ويفيد هذا النص، بعبارة واضحة، أن الوظيفة الجامعية القارة لا تدخل ضمن هذا الاستثناء، لأن المشرع لم يعترف إلا بالتدريس العرضي لا بالتدريس بوصفه وظيفة أصلية مستقرة.
ومن هنا تتجلى خصوصية الحالة المغربية، إن بعض التشريعات المقارنة تتبنى موقفا أكثر انفتاحا من المشروع المغربي. ففي فرنسا، ينص التنظيم الرسمي لمهنة المحاماة على أن المهنة متوافقة مع وظائف التدريس، كما يدرج الأساتذة الجامعيين المكلفين بتدريس قانوني ضمن الفئات التي تستفيد من إعفاءات في شروط الولوج إلى المهنة.
وبالمقارنة مع هذا الاتجاه، يظهر المشروع المغربي أكثر تحفظا. فهو لا ينفي قيمة الأستاذ الجامعي في القانون، بل يقر له بوزن مهني وعلمي يسمح بتخفيف بعض شروط الولوج إلى المهنة، غير أنه لا يسمح له بالجمع بين صفته الأكاديمية القارة وصفته المهنية كمحام. وبذلك فإن خصوصية النموذج المغربي لا تكمن في إنكار الكفاءة الأكاديمية، وإنما في حصر الاعتراف بها في مرحلة الانتقال إلى المهنة دون مرحلة التعايش معها أثناء استمرار الوظيفة الأصلية. وهذه الخصوصية تكشف أن المشرع المغربي يمنح الأولوية لفكرة الاستقلال المهني في معناها الوظيفي الصارم، أكثر مما يمنحها لفكرة التكامل المؤسسي بين الجامعة والمحاماة.
- المادة 13 بين تثمين الكفاءة الأكاديمية وحدود الانفتاح التشريعي
تنص المادة 13 من المشروع على إعفاء أساتذة التعليم العالي في مادة القانون من الحصول على شهادة الكفاءة لممارسة مهنة المحاماة ومن التمرين المنصوص عليه في المادة 7، لكنها تلزمهم بقضاء سنة واحدة من التمرين بمكتب محام يعينه النقيب – مدة التمرين في القانون الحالي محددة في ستة اشهر – كما تشترط أن يكون هؤلاء قد مارسوا، بعد ترسيمهم، مهنة التدريس لمدة ثماني سنوات بإحدى كليات العلوم القانونية بالمغرب، وأن يتم ولوجهم بعد الإحالة على التقاعد ما لم يكن ذلك لسبب تأديبي، أو بعد قبول الاستقالة شريطة ألا يتجاوز سنهم خمسة وخمسين سنة عند تقديم الطلب. وبقراءة هذا النص في ضوء المادة 17، يتضح أن المعني بالأمر لا يكتسب حقا تلقائيا في التسجيل، بل يتعين عليه تقديم طلب إلى الهيئة المعنية مرفقا بما يثبت استيفاء الشروط، قبل أن يبت مجلس الهيئة في طلبه وفق المسطرة المقررة.
وتكشف هذه الصياغة عن دلالة مزدوجة. فمن جهة أولى، يعترف المشروع بأن الأستاذ الجامعي في مادة القانون راكم من الخبرة العلمية والمنهجية ما يبرر إعفاءه من جزء مهم من مسار الولوج إلى المهنة. ومن جهة ثانية، لا يساوي المشروع بين هذه الخبرة وبين الجاهزية المهنية الكاملة، ولذلك أبقى على سنة من التمرين داخل مكتب محام. وهذه الصياغة تعني أن المشرع يميز بين المعرفة القانونية الأكاديمية والخبرة المهنية التطبيقية، ويقر بأن الأولى تؤهل بقوة للثانية، لكنها لا تعوضها بالكامل.
- مناقشة هادئة للمادة 13
تكتسب المادة 13 أهميتها لا من مضمونها التقني فقط، بل من موقعها داخل البنية العامة للمشروع. فهي، في ظاهرها، تعكس انفتاحا على الجامعة وتقديرا للخبرة الأكاديمية القانونية. غير أن هذا الانفتاح يظل، في العمق، مشروطا ومؤجلا، لأن المادة 14 تمنع الأستاذ الجامعي من الجمع بين وظيفته القارة ومهنة المحاماة، فلا يستفيد من مقتضيات المادة 13 إلا بعد انتهاء أو إنهاء وضعه الوظيفي الأصلي. وبذلك فإن المادة 13 لا تشكل استثناء على التنافي، بل تشكل آلية قانونية لتجاوز آثاره بعد زوال سببه.
ومن جهة الصياغة، يمكن تسجيل ثلاث ملاحظات أساسية. أولها أن النص يحصر الاستفادة في أساتذة التعليم العالي في مادة القانون الذين مارسوا بإحدى كليات العلوم القانونية بالمغرب، وهو معيار مؤسساتي ضيق قد لا يستوعب جميع صور التدريس القانوني الجامعي أو العالي التي قد تكون معادلة له من حيث الاختصاص والمحتوى. وثانيها أن اشتراط ثماني سنوات بعد الترسيم يجعل كل تجربة علمية أو تدريسية سابقة على هذه الوضعية الإدارية غير ذات أثر، وهو ما يعكس تفضيل المشرع لمعيار الاستقرار الوظيفي على معيار الخبرة الفعلية الأوسع. أما ثالثها، فيتعلق بصياغة شرط السن، التي تبدو أقرب إلى الارتباط بحالة الاستقالة دون حالة الإحالة على التقاعد، مما قد يثير ترددا تأويليا حول مدى عمومية هذا الشرط أو خصوصيته.
ومع ذلك، فإن النقد الأعمق لا يتعلق بهذه التفاصيل فحسب، بل يتجه إلى فلسفة النص نفسها. فالمشروع يتبنى تصورا يرى في الجامعة فضاء لإنتاج الكفاءة القانونية، لكنه لا يرى فيها فضاء قابلا للتعايش المؤسسي مع الممارسة المهنية للمحاماة. ولذلك فإن الاعتراف بالأستاذ الجامعي يتم في صورة العبور لا في صورة التكامل. وإذا كان هذا الاختيار يجد بعض سنده في تمسك المشروع بفكرة أن المحاماة مهنة حرة ومستقلة، وأن المحامي يتقيد في سلوكه المهني بمبادئ الحرية والاستقلال والتجرد والنزاهة، فإن ذلك لا يمنع من القول إن المشرع كان يمكنه اعتماد مقاربة أكثر مرونة، تفرق بين الوظائف الإدارية ذات السلطة المباشرة وبين الوظيفة الجامعية القانونية باعتبارها وظيفة علمية وبحثية ذات طبيعة خاصة.
وفي ضوء المقارنة الفرنسية، يتأكد الطابع المحافظ للمقاربة المغربية. فحين يقرر النص الفرنسي توافق المحاماة مع وظائف التدريس، ويقر في الوقت نفسه بإعفاءات لفائدة الأساتذة الجامعيين المكلفين بتدريس قانوني، فإنه يؤسس لربط إيجابي بين الفضاء الأكاديمي والفضاء المهني. أما المشروع المغربي، فإنه يكتفي بالاعتراف بقيمة الخبرة الأكاديمية عند الانتقال إلى المحاماة بعد الاستقالة أو التقاعد، دون أن يسمح بالتعايش بين الوضعيتين. ومن هنا، فإن المادة 13 تبدو أقل جرأة من بعض النماذج المقارنة، لأنها لا تراجع نظام التنافي في جوهره، بل فقط تخفف أثره على فئة معينة عند لحظة العبور إلى المهنة.
وعليه، فإن النقاش الأكاديمي حول المادة 13 ينبغي ألا ينحصر في تعداد شروطها التقنية، بل يجب أن ينفذ إلى السؤال الأعمق المتعلق بفلسفة المشروع: هل المطلوب هو مجرد فتح باب الولوج أمام الأستاذ الجامعي بعد خروجه من الوظيفة، أم أن الحاجة التشريعية أصبحت تقتضي إعادة التفكير في العلاقة بين فضاء إنتاج المعرفة القانونية وفضاء الممارسة المهنية على نحو يسمح بتكامل منظم ومحكوم بضمانات الاستقلال وتجنب تعارض المصالح؟ في صيغته الحالية، يبدو المشروع أقرب إلى الاحتمال الأول، وهو ما يجعل خصوصية الحالة المغربية جديرة بمزيد من النقاش الفقهي والتشريعي.



قم بكتابة اول تعليق