إشراقة نيوز: محمد الهاشمي
تتسارع وتيرة المراسلات العاملية الموجهة إلى رؤساء الجماعات الترابية بإقليم تاونات، داعية إياهم لعقد دورات استثنائية على عجل. الغرض منها المصادقة على اتفاقية شراكة مع المديرية الإقليمية للتجهيز والنقل واللوجستيك والماء مخصصة لـ “بناء وصيانة الطرق والمسالك الجماعية”، غير أن تفكيك بنود هذه الاتفاقية يكشف عن مفارقة صارخة تحول مفهوم “الشراكة” من آلية للتعاون والتعاضد المالي والتقني، إلى صك قانوني يكرس اختلال التوازن بين الإدارة المركزية والمنتخبين المحليين.
هذا، ويستبشر القارئ خيرا وهو يطالع ديباجة الاتفاقية ومادتها الأولى، التي تحدد الأهداف في “بناء وصيانة الطرق والمسالك الجماعية بتراب الجماعة المعنية، في إطار شراكة مع المديرية الإقليمية للتجهيز والنقل واللوجستيك بتاونات”. توحي هذه الصياغة الوردية للوهلة الأولى بأن الدولة، ممثلة في قطاعها الوزاري المعني بالبنية التحتية، قد قررت أخيرا ضخ اعتمادات مالية ودعم تقني مباشر لانتشال المسالك القروية والجبلية بالإقليم من وضعيتها المتردية، وتخفيف العبء المالي الثقيل الذي يئن تحت وطأته التدبير المحلي بالجماعات ذات الإمكانيات المحدودة أو شبه المنعدمة.
إلا أن هذا الارتياح المؤقت سرعان ما يتبدد، ويتحول إلى ذهول قانوني وسياسي بمجرد الانتقال إلى المادة الموالية (المادة الثانية) وما يليها من مقتضيات تحدد التزامات الأطراف؛ حيث يكتشف المرء أننا لسنا أمام “شراكة حقيقية” بل أمام عملية إسقاط عمودي لالتزامات أحادية الجانب، تتحمل فيها الجماعة كل شيء، بينما تحصد المديرية سلطة القرار والرقابة والوصاية الفنية.
فبموجب المادة الثانية، تتعهد الجماعة الترابية – بصفتها حاملة ومنفذة للمشاريع – بتمويلها كاملا اعتمادا على مواردها المالية الذاتية، وإنجاز كافة الدراسات التقنية الخاصة ببناء وصيانة الطرق، وإعداد ملفات الاستشارة وطلبات العروض، وتتبع التنفيذ، وصرف النفقات، فضلا عن الالتزام التام بكافة بنود الاتفاقية.
في المقابل، وعند تفحص التزامات المديرية الإقليمية في المادة الثالثة، نجدها تقتصر على “تقديم المساعدة والاستشارة التقنية” و”تتبع تنفيذ المشاريع ومدى مطابقتها للمواصفات”. وبالمقارنة البسيطة، يتضح الاختلال البنيوي في توزيع المسؤوليات: الجماعة تمول وتدرس وتنفذ وتتحمل المخاطر المادية، والمديرية تراقب وتملي الشروط وتوقع المحاضر دون أن تساهم بدرهم واحد من ميزانيتها الوزارية.
وأمام هذا التوزيع الغريب للمهام، يطرح السؤال الاستنكاري نفسه بحدة: ما هي القيمة المضافة الحقيقية لهذه الاتفاقية؟ إذا كانت الجماعة هي من يوفر التمويل الذاتي، وهي من يخصص الفائض، وهي من يعد الدراسات ويدير الصفقات، فما الذي تجنيه من توقيع وثيقة تقيد حركيتها؟
إن الجماعات الترابية التي نجحت في رصد اعتمادات مالية لإصلاح مسالكها كانت قادرة على تنفيذ هذه المشاريع بشكل مباشر بناء على الاختصاصات الذاتية التي يخولها لها القانون التنظيمي رقم 113.14.
إن إقحام المصالح الخارجية عبر هذه الصيغة التعاقدية لا يمنح الجماعة آليات جديدة للاشتغال، بل يضع فوق رأسها سلطة فنية وإدارية إضافية تعيق مرونتها. وبدلا من تيسير المساطر، نجد المادة الخامسة المتعلقة بـ “مساطر تنفيذ النفقات” تؤكد على الخضوع لمقتضيات قانون الصفقات العمومية، وهي أمور ملتزمة بها الجماعة أصلا بقوة القانون، وخاضعة لمراقبة الخازن الجماعي، ولا تحتاج لاتفاقية خاصة لتذكيرها بها أو لإشراك طرف ثالث لم يسهم في الميزانية.
وعليه، فقد كان الأولى بالدولة، انسجاما مع مبدأ العدالة المجالية وتقليص الفوارق بين المجالات، واستحضارا لما خلفته الفيضانات والانجرافات الأخيرة من أضرار جسيمة بالشبكة الطرقية، خاصة بالمناطق القروية والجبلية المعزولة بإقليم تاونات، أن تعبئ اعتمادات مالية حقيقية عبر قطاعاتها الوزارية ومصالحها الخارجية، تصرف في إطار اتفاقيات شراكة منصفة توفر دعما ماليا حقيقيا للجماعات المتضررة، بما يحقق أثرا ملموسا على أرض الواقع.
إن اتفاقية من هذا القبيل، لا تنقل أيا من الأعباء المالية عن كاهل الجماعات المثقلة بالخصاص، تكرس نوعا من الوصاية المقنعة؛ حيث يتحول رئيس المجلس الجماعي بموجب المادة الرابعة إلى مجرد جهة مكلفة باتخاذ التدابير والسهر على الإنجاز مع إطلاع المدير الإقليمي بشكل دوري على تقدم الأشغال، وكأن الجماعة الترابية أصبحت مجرد وكالة تنفيذية تابعة للمصالح الخارجية.
إن هذا الأسلوب الإداري يعيد إنتاج البيروقراطية؛ إذ يحجم مبدأ “التدبير الحر” الذي نص عليه الدستور، ويقيد المجالس الترابية المنتخبة حتى في اختصاصاتها المحدودة، محولا الشراكة من أداة للتنمية إلى أداة لشرعنة التدخل في الشأن المحلي، وإضفاء الشرعية الفنية على مصالح خارجية كان الأجدر بها أن تنزل للميدان بإمكانياتها الذاتية لفك العزلة عن الساكنة.
وختام الكلام، فإن المصادقة على مثل هذه الاتفاقيات في دورات استثنائية وبشكل متسارع، تحت ضغط الاستعجال الإداري، تستوجب وقفة تأمل ونقد من طرف المدبرين المحليين والفاعلين.
إن الجماعات القروية بإقليم تاونات تحتاج إلى “شركاء ممولين” يسهمون في رفع التهميش، لا إلى “مراقبين إداريين” يتقاسمون معها سلطة القرار وينأون بأنفسهم عن واجب التمويل.
إن العدالة المجالية تقتضي مراجعة جذرية لهذه الصيغ التعاقدية العقيمة، لضمان الكرامة والإنصاف للمجالات الترابية المغبونة.
نسخة من اتفاقية الشراكة:




قم بكتابة اول تعليق