خطبة في موضوع: «حُقُوقُ الرَّسُولِ صلّى الله عليه وسلّم عَلَى أُمَّتِهِ» ليوم الجمعة 29 ربيع الأول 1448هـ الموافق لـ 11 شتنبر 2026 مـ

الخطبة الأولى: 

 الحمد لله الذي اصطفى من الملائكة رسلا ومن الناس وفضل بعضهم على بعض، وخص بمزيد تكريم وتفضيل سيدنا محمدا ﷺ، فأوجب له من الحقوق ما يكون موصولا بدوام رسالته ما دامت السماوات والأرض، نحمده جل وعلا على نعمة الإسلام والإيمان، ونشكره على منة الإحسان والقرآن، ونشهد أن لا إله إلا الله ذو الجلال والإكرام، المتفضل على العباد بجلائل الإنعام، ونشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، المنعم عليه برفع الذكر مع ذكر الله تعالى بالغدو والآصال، والمصلى عليه ما تجدد ذكره بالحال والمقال، وعلى آله الطيبين خير الآل، وصحابته المقتفين له في جميل الفعال، وعلى التابعين لهم بإحسان في كل آن وحال.

أما بعد -معاشر المؤمنين والمؤمنات-؛ فيقول الحق جل شأنه:

﴿فَـَٔامِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَالنُّورِ اِ۬لذِےٓ أَنزَلْنَاۖ﴾[1].

عباد الله؛ بعد ما تناولت الخطب الماضية التعريف بالرسول ﷺ، وبأخلاقه وشمائله ودلائل نبوته، وبيانَ قدره ومكانته عند الله تعالى من خلال التنويه بشأنه في القرآن الكريم من عظيم شأنه ورفيع مقامه، تأتي خطبة اليوم امتدادا للحديث عن حقوق المصطفى ﷺ، وما يجب على كل مسلم تجاهه ﷺ. وحقوق المصطفى ﷺ كثيرة، ومقامه أعظم من أن تستوفيه خطبة أو تحيط به كلمات، غير أننا نذكر منها أصولا جامعة ومعالم واضحة، تهدي المحب إلى سبيل الوفاء، وتدل المؤمن على طريق الصفاء، ومن أبرز هذه الحقوق باختصار:

أولا: حق الإيمان به ﷺ؛ باعتباره مرسلا من عند الله تعالى، مؤيدا بالدلائل والمعجزات الدالة على صدقه فيما بلغ عن ربه جل وعلا

إِذْ مُعْجِزَاتُهُمْ كَقَوْلِهِ وَبَرّْ ***صَدَقَ هَذَا الْعَبْدُ فِي كُلِّ خَبَرْ[2].

ويترتب عن ذلك وجوب الإيمان بصدقه وأمانته وتبليغه لمِا كلف بتبليغه، مع فطانته وسلامته مما يؤثر في أداء رسالته؛ من العجز والصمم والبكم وغير ذلك من الموانع. يقول الحق سبحانه:

﴿فَـَٔامِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ اِ۬لنَّبِےٓءِ اِ۬لُامِّيِّ اِ۬لذِے يُومِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَٰتِهِۦ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَۖ﴾[3] .

ثانيا: حق محبته ومحبة من يحب وما يحب؛ فمن حقوق النبي ﷺ على العباد محبته النابعة من صدق الإيمان به، لقول النبي ﷺ

«لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ»[4].

ويدخل تحت هذه المحبة محبة آل بيته وصحابته والمؤمنين، وكل ما يحب من خصال الخير ووجوه البر والإحسان، فمن أحب شيئا من ذلك فبحبه للنبي ﷺ أحبهم.

ثالثا: حق اتباع سنته والاقتداء به يقول الله تعالى

﴿قُلِ اِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اَ۬للَّهَ فَاتَّبِعُونِے يُحْبِبْكُمُ ا۬للَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْۖ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌۖ﴾[5].

فمن نتائج الإيمان بالرسول ﷺ ومحبته، اتباعُه والاقتداء به والتحلي بأخلاقه وهديه وآدابه والسير على نهجه في العبادة والمعاملة وفي الرحمة والحلم وفي الصبر والعفو وفي القيام بالحق وأداء الحقوق. وذلك لأن المحب مجبول على الاقتداء بمحبوبه، وإلا كانت دعواه للمحبة باطلة، كما قال الشافعي -رحمه الله-:

تَعْصِي الْإِلَهَ وَأَنْتَ تُظْهِرُ حُبَّهُ ***هَذَا مَحَالٌ فِي الْقِيَاسِ شَنِيعُ

لَوْ كَانَ حُبُّكَ صَادِقًا لَأَطَعْتَهُ ***إِنَّ الْمُحِبَّ لِمَنْ يُحِبُّ مُطِيعُ[6].

رابعا: حق نشر دعوته ونصرته؛ وهذه مهمة العلماء من أمته، إذ نشر الدعوة ونصرتها يحتاج إلى علم راسخ، وفقه يتْبعه عمل، إضافة إلى سائر شروط المبلغ عن الله وعن رسوله، المذكورة في مظانها

ويكون ذلك بتعليم كتاب الله وسنة مولانا رسول الله ﷺ، والدعوة إلى الاقتباس من سيرته وحليته، وبيان ما اشتملت عليه سيرته العطرة من حلم ورحمة، والمحافظة على الموروث من ذلك في خلائف أمته، والمعهود بين الناس من مشهور ملته، مع اجتناب الغرائب الموقعة في الاختلاف، وعدم إيراد الخلاف من أجل الخلاف وزرع الفتنة والشقاق بين الناس.

بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة، ونفعنا بما فيهما من البينات والحكمة، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

الخطبة الثانية

الحمد لله حق حمده، والصلاة والسلام على نبيه وعبده، وعلى آله وصحبه وكل من اقتفى أثره ونهجه من بعده.

معاشر المؤمنين؛

الخامس من حقوق المصطفى ﷺ حق الصلاة والسلام عليه ﷺ، المأمور به في كتاب الله، إذ يقول جل وعلا مبتدئا بنفسه، ومثنيا بملائكة قدسه، ثم أمر عباده بقوله

﴿اِنَّ اَ۬للَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَي اَ۬لنَّبِےٓءِۖ يَٰٓأَيُّهَا اَ۬لذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلِّمُواْ تَسْلِيماًۖ﴾[7].

في هذه الآية الكريمة، تجلت عناية الله تعالى بنبيه محمد ﷺ، فخصه بما لم يخص به أحدا من خلقه، فصلى عليه أولا، ثم صلت عليه ملائكته، ثم أمر عباده المؤمنين بالصلاة والسلام عليه، وهذا تشريف للرسول ﷺ أولا ثم لأمته ثانيا، إذ شاركهم رب العزة في فعل الصلاة والسلام على الحبيب المصطفى ﷺ.

والأمر هنا يكفي الامتثال له مرة، ليكون ما تبقى فضلا ومنة، وقد ورد في فضل الصلاة والسلام على رسول الله ﷺ، الشيء الكثير من صلاة الله على من يصلي على النبي ﷺ، ونيل الشفاعة والقرب منه في الجنة، وقبول الدعاء وغير ذلك، كما في قول النبي ﷺ:

«إِذَا سَمِعْتُمُ الْمُؤَذِّنَ، فَقُولُواْ مِثْلَ مَا يَقُولُ، ثُمَّ صَلُّواْ عَلَيَّ، فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلاَةً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا، ثُمَّ سَلُواْ اللهَ لِيَ الْوَسِيلَةَ، فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ، لاَ تَنْبَغِي إِلاَّ لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللهِ، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ، فَمَنْ سَأَلَ لِيَ الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ لَهُ الشَّفَاعَةُ»[8].

وبالصلاة على النبي ﷺ تفتح الأبواب، وتشفى الأمراض، وتقضى الحوائج، وغيرها من الفضائل والحكم.

وقد ازدانت، ولله الحمد، المجالس في هذه المملكة السعيدة بالقرآن وآل البيت، بدعوة من مولانا أمير المؤمنين، بالصلاة والسلام على رسول الله ﷺ، مع أطيب الدعوات وأصدق الابتهالات والتضـرعات إلى البارئ جل وعلا، أن يحفظ مولانا أمير المؤمنين، مع تمام الصحة وجميل العافية، ويحفظ بحفظه البلاد والعباد، من كل سوء ومكروه.

ألا فالهجوا -عباد الله- بأفضل الصلاة وأزكى السلام على من لولاه لما رفع الأذان ولا أقيمت الصلاة، ولا عرف الناس الصيام والحج والزكاة، ولا تلي القرآن ولا عرف الحلال والحرام، سيدنا محمد النبيء الأمي الصادق الأمين.

فاللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله، كما صليت وسلمت وباركت على سيدنا إبراهيم وعلى آله، إنك حميد مجيد.

وارض اللهم عن الخلفاء الراشدين المهديين؛ أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن باقي الصحب من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم، وعنا معهم برحمتك يا رب العالمين.

وانصر اللهم بنصـرك المبين وتأييدك المتين، من اصطفيته لإحياء السنة وإماتة البدعة، بالعناية بكتابك وبسنة نبيك ﷺ، مولانا أمير المؤمنين صاحب الجلالة الملك محمدا السادس، اللهم بارك له في الصحة والعافية، واشمله بألطافك الخفية، وأقر عين جلالته بولي عهده المحبوب صاحب السمو الملكي الأمير الجليل مولاي الحسن مشدود الأزر بشقيقه السعيد الأمير الجليل مولاي رشيد، وبباقي أفراد الأسرة الملكية الشريفة.

وتغمد اللهم بواسع رحمتك، وجميل إحسانك الملكين المجاهدين، مولانا محمدا الخامس، ومولانا الحسن الثاني، اللهم طيب ثراهما، وأكرم مثواهما، في أعلى عليين.

اللهم ارحمنا وارحم والدينا وسائر موتانا وموتى المسلين، واغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم.

سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.

الهوامش:

  • [1] . التغابن 8.
  • [2] . البيت للإمام ابن عاشر في باب العقيدة من منظومته.
  • [3] . الأعراف 158.
  • [4] . صحيح البخاري، كتاب الإيمان، بَاب: حُبُّ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم مِنَ الْإِيمَانِ. 1/12. رقم الحديث بالمنصة11748.
  • [5] . آل عمران 31.
  • [6] . البيتان للإمام الشافعي رحمه الله، في ديوانه.
  • [7] . الأحزاب 56.
  • [8] . صحيح مسلم، كتاب الصلاة بَاب اسْتِحْبَابِ الْقَوْلِ مِثْلِ قَوْلِ الْمُؤَذِّنِ لِمَنْ سَمِعَهُ ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ثُمَّ يَسْأَلُ اللَّهَ لَهُ الْوَسِيلَةَ 1/288. رقم الحديث بالمنصة 508.

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.