بوينوس أيريس – خورخي خانكو ليس له مرسم ولا ورشة على غرار الرسامين التشكيليين والنحاتين، بل يتخذ من شوارع بوينوس أيريس فضاءه الأرحب، يحمل معه أقلام حبر وأوراق بيضاء، يضعها في حقيبة تلازمه منذ أن وطأت قدماه بوينوس أيريس قبل عشر سنوات قادما إليها من خوخوي، أقصى شمال الأرجنتين.
تعرفه معالم بوينوس أيريس ومآثرها، وكيف لها أن تنكره وهو الذي يجلس أمامها الساعات الطوال، فمنذ أن يغادر الفندق الذي يقطنه على الساعة السابعة صباحا فلا يعود إليه حتى تغيب شمس اليوم، الذي يقضيه أمام ساحة “بلازا دي مايو” أو قبالة مبنى الكونغريس أو جالسا في زاوية مقابلة لمعلمة “الأوبيليسكو” أو مسرح “كولون” أو غيرها من المعالم الأثرية التاريخية التي تزخر بها عاصمة الارجنتين.
يحكي خورخي ذو ال 57 سنة، و الذي ولد وترعرع في خوخوي، في بوحه لوكالة المغرب العربي للأنباء، أنه يحمل قلبين في جوفه، الأول تتملكه مدينته خوخوي المعروفة بجبالها المزينة بسبعة ألوان (سييتي كولوريس)، والثاني هو ملك لبونيوس أيريس التي عشقها وأصبحت فضاء لعمله اليومي ومتنفسا فجر من خلاله طاقاته الابداعية.
ويسرد خورخي، واحد من أسرة تضم تسعة إخوة، أنه عندما قدم إلى بوينوس أيريس لدواع صحية لما رافق إحدى ابنتيه إلى المستشفى لاجراء عملية جراحية، خرج يمشي على غير هدى في شوارع العاصمة وفي كل ركن يستوقفه شيء ما يستبد به، فالأبراج والمباني التاريخية وهندستها المعمارية التي تحكي زمن المجد الارجنتيني سلطت عليه سهام الحب فوقع في غرامها، وهنا ابتدأت قصته مع بوينوس أيريس ليقرر الاستقرار بها.
وتمكن خورخي من أن يعرض بعضا من أعماله في العديد من معارض المدينة، ولكنه لم يبرح الشارع قط، حتى وإن أبرقت السماء أو أرعدت أو أمطرت، فلابد أن يواصل عمله الذي تتقنه أنامله منذ نعومة أظافره. يتذكر حين قالت له معلمته ذات يوم إن ما ترسمه ينم عن موهبة كبيرة، تختزنها بداخلك، فكان لكلامها وقع في نفسه وعمل منذئذ على البحث عن هذه الموهبة وإخراجها إلى الوجود.
وتتمثل ميزة هذا الفنان أنه يستخدم قلم الحبر الذي لا يمكن أن ينمحي، وبالتالي فإنه ما أن يبدأ في عملية الرسم حتى تبدأ معها عملية تحدي آخر، فهو مطالب بعدم ارتكاب أي خطأ، والأكثر من ذلك أنه يستطيع بقطرة حبر واحدة أن يبدع لوحة كاملة الأوصاف تمثل واجهة لمبنى البرلمان أو غيرها من المعالم التاريخية. نعم بقطرة حبر واحدة فقط و بانسيابية متناهية يحرك أنامله بشكل لافت فتبدو يده ترتعش باستمرار لكن بإتقان إلى حد كبير يجعل المارة يتحلقون حوله مبدين إعجابهم بأعماله الفنية.
خورخي مازال يجوب شوارع العاصمة من زاوية إلى أخرى، يطلق نظراته من وراء نظارتيه الطبيتين نحو الصورة التي يريد تخليدها على الورقة البيضاء، فيكون له ذلك بعد أن يطوع الأشكال في أدق تفاصيلها، وقد تأخذ منه اللوحة في بعض الأحيان أسبوعا كاملا من العمل الذي يضيف إليه كثيرا من الصبر والعزيمة والاصرار على مجابهة المستقبل.
تجربة خورخي مع معالم بوينوس أيريس، التي استهوته فاستسلم لقدره دون ينسى خوخوي، وحواراته مع المارة والسياح والفضوليين سيضمنها في صفحات كتاب هو الآن بصدد وضع اللمسات الأخيرة عليه قبل أن يقدمه في القريب من الأيام.



قم بكتابة اول تعليق