لحسن بسة يكتب: سكان الجبال في فصل الشتاء

  إشراقة نيوز: لحسن بسة

معركة سلاحها الصبر الجميل وتحمل الحمل الثقيل والوزر ذو الأمد الطويل إلى حين تنقضي في نهاية شهر أبريل، حيث المعاناة بجميع أشكالها مع البرد القارس في شهري فبراير ومارس، أشد فتكا من عدو غدار في نزال وسط الميدان او في غابة مغطاة بالأشجار، عدو يفتك بمنافسه اينما كان وارتحل، ولو كان في كهف او غار او جالس قرب النار، ولو لبس الدراع الواقي، لا شيء يحميك منه سوى الصبر والتحمل الى ان يمر مرور الكرام . البرد بمثابة ابو المعاناة يعيشها سكان تلك الجبال في قممها وفي سهولها، ليس جبال الهمالايا التي تعرفون، والتي تعتبر اعلى الجبال قمة في العالم؛ وأشدها برودة، وانما جبال الاطلس المتوسط بالمغرب الحبيب، جبال شاهقة، غالبية سكانها رعاة يسرحون الغنم والمعز يفرشون الارض، ليس لهم ديار، بل الجبال مساكنهم، سقفهم السماء، وفراشهم التراب في العراء، ليس لهم غير الرعي والترحال كي يكسبوا قوة يومهم، تجوال من هنا إلى هناك ومن تلك الأرض الى آخرى ومن منطقة الى منطقة، ليس لهم من حائط يحميهم قساوة البرد، وسقفا يحميهم المطر في الشتاء أو حرارة الشمس في الصيف.  اناس ليس لهم غير الجبال ملجأ فيتحملون بذلك قساوة الظروف هناك، لكن رزقهم كله هناك.لهذا لا يمكن لهم سوى ان يتابعوا حياتهم في مرتفعات الجبال وقممها ،أخطار تحيط بهم من كل مكان ،من كل جهة ،ومن كل جانب ،لكنهم لا يبالون بها ،ليس لهم زمن ووقت محدد ،ليس لهم برامج ،ولا نظام عيش محدد ،اسلوبهم في الحياة مختلف عن المعتاد في باقي المناطق ،لا وسائل نقل سوى البغال والحمير ،لا يمتلكون وسائل للآتصال ،لا هواتف ولا تلفاز ،تماما كما لو انهم يعيشون خارج الكون ،لا ادوات عصرية سوى ما اخترعوه هم وتفننوا فيه وعملوه باتقان، حياتهم بسيطة جدا الى حد يمكن القول عنها من القرون الوسطى ، والغريب في الأمر أنهم يفتخرون بحياتهم هذه ولا يتضجرون بسببها . وجوه البدو الرحل تظهر ملامح المصاعب والصعاب وتبرز مرارة العيش في الجبال وتعكس صورة القهر بسبب قساوة الظروف المناخية، لباسهم المرقعة تبين مدى الفقر الذي يقبعون فيه لكن وراء ذلك انسان يسارع الزمان من أجل البقاء ويحارب من أجل الكرامة والشهامة ،كلما نظرت الى حالهم وأغرقت نفسك في التفكير فيهم اكتشفت الفرق العميق والشاسع بين من يعيش في المدن وبين البدوي الذي قليلا ما تجده مهموما ،لا يعرف معنى الغم ولا الكآبة ولا البؤس رغم البساطة التي يعيش فيها،رغم قلة الموارد ،ورغم الفاقة والفقر ،تلك البساطة التي تجعله في غنى عن مال الدنيا ومتاعها كله ،تجعله في غنى عن كل شيء ،فله الفضل في ان يعيش حياته البدوية بعيدا عن الضوضاء وغوغاء السيارات والحافلات والبشر ،تلك البساطة التي تحيي فيه الرجولة وتبني فيه روح المقاومة، سلاسة العيش تقيه من طمع الحضارة وسرعة هذا الزمان ومكر الحضارة وخبث الحياة العصرية، كما ان اهل الجبال كذلك يعيشون كما يريدون ،كما يحبون ، لكنهم في اوقات البرد هاته يعانون،يتألمون ،ورغم ذلك كله يتحملون ويتابعون مسيرتهم المعيشية بكل حزم وعزم . البرد ،العدو الأخطر ، العدو الصامت الذي يغلب ويقهر الناس في سكوت تام ، ليس له سلاح لكنه فتاك ، يشتكي منه الحي والجمد ،حيوان وشجر ، الصغير والكبير ، فما بالك بالضعيف ذلك الانسان المسكين، صاحب الجلد الرقيق ، فلا شيء يقيه منه ،حتى النار التي تدفئه في هذا الوقت بالذات يستحيل ايجاد الأغصان والحطب ، من اين له وقودها ،فلا وجود للحطب لان اغصان الأشجار تكسوها الثلوج ولا وجود لغاز البوطان فهو بعيد المنال ،مأساة يظل المرء يفكر فيها ، ولا يجد لها حلا ، وفي نفس الوقت لا مهرب من هذه المأساة التي تزداد ولا تنقص ابدا ،لا دكاكين ولا افران ولا اسواق ،لا وجود للمؤن الغذائية ،حتى وان كنت تتوفر على المال فمن اين لك الحاجة الضرورية ،لا مستوصف ولا طبيب ،فمن اين لك ان تتداوى ،هكذا حياة هؤلاء، مغاربة منسيون . برودة الجو تختلف نسبها من فصل الى فصل ومن عام الى عام ،وعامنا هذا لم يكن للقرويين وساكني الجبال كباقي الأعوام السابقة ،فلقد اصبحت سابقة لم يتوقعها منهم احد ،ثلوج مصحوبة ببرد وصقيع تجمد كل شيء تجده حتى وأنها تجمد الشجر والماء والعشب وكل شيء ،فلا هم ولا أنعامهم وجدوا سبيلا لعتق ارواحهم ،او شيئا يسد رمقهم ،انها الكارثة الكبرى، من لم يمت بالبرد والثلوج يهلكه الجوع. لا مفر من قدر محتوم .ثلوج بسمك المترين تغطي الدنيا وما فيها ،مشاهد الخوف والهلع ،مشاهد ظن البعض اننا في العصور الحجرية ،زرعت في النفوس الفزع وأجبرت الرعاة على الاستسلام والتضرع الى رب الاسلام ،فطلبوا العون من اهل الاحسان وأهل الرحمان لعلهم يجدوا من في قلبه درة حنان لينقدوا البهائم من الهوان ،لكن امالهم خيبت لما ماتت كل الاغنام وهم يتفرجون عليها ،ولا حول لهم ولا قوة الا بالله العلي العظيم .صبروا طويلا لكنهم في الأخير انهزموا في حرب ضد البرد ،لا سلاح فعال ضد هذا العدو الفتاك،فهم يفتقدون للأغطية ومنازل، ليس لديهم سوى خيام لا تسمن ولا تغني من جوع في الوقت العصيب .

1 Comment

  1. هكذا حال الجغرافيا المنسية المقهورة بالتهميش والاقصاء …ولكن لهم رب يحميهم .
    كلامك اخي لحسن ماء ينساب سريعا في عروقنا ويحييها، والحياة عطاء وتطوع..فينبغي البدء بحملات اتوزيع اللحاف الفيبر، وكرتونة المواد الغذائية، وتسقيف المنازل بالقرى الأكثر فقراً فى البوادي النائية…شكر جميلا لانسانيتك

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.