اليوم الوطني للأشخاص في وضعية إعاقة: مناسبة لاستحضار المكتسبات وترسيخ الإدماج الفاعل في التنمية

يشكل اليوم الوطني للأشخاص في وضعية إعاقة، الذي يخلده المغرب في 30 مارس من كل سنة، إحدى المحطات البارزة التي تروم استحضار المنجزات والمكتسبات في مجال إدماج هذه الفئة من المجتمع، ورفع تحدي بلورة برامج للتكوين ودعم القدرات في مجالات التنمية الدامجة.

كما يعد الاحتفاء بهذا اليوم مناسبة لاستحضار المجهودات الكبيرة التي يقوم بها المغرب من أجل تعزيز حقوق هذه الفئة من المجتمع، وتمكينها من جميع الآليات للمساهمة في التنمية التي تعرفها المملكة، تحت القيادة المتبصرة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس.

وفي هذا الصدد، تجسدت العناية الملكية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس بهذه الفئة منذ اعتلاء جلالته عرش أسلافه المنعمين، على الخصوص، في مضاعفة المشاريع والمراكز الاجتماعية لفائدة الأشخاص في وضعية إعاقة، خاصة في إطار المبادرة الوطنية للتنمية البشرية.

وقال جلالته في خطاب ألقاه سنة 1999 بمناسبة ذكرى ثورة الملك والشعب، “أم كيف يدرك تكافؤ الفرص وإتاحتها للجميع إذا كان المعوقون جسديا يهمشون ويبعدون عن الميادين التي هم لها مكونون ومستعدون في حين أن الاسلام – وهو دين التكافل والتكامل – يدعو إلى الاهتمام بالمستضعفين ومساعدتهم على الاندماج في المجتمع والاخذ بيدهم ليكونوا أعضاء فيه عاملين منتجين”.

وقد أبدى المغرب اهتماما خاصا بهذه الشريحة من المجتمع، من خلال التعبير عن إرادته الراسخة والتزامه الثابت بصيانة وتعزيز حقوق الأشخاص في وضعية إعاقة، حيث وضعت المملكة، في إطار الاستراتيجيات والبرامج ذات الصلة بالموضوع، التي عهد إلى لجنة وزارية تتبع تنفيذها، مشروع مخطط العمل الوطني 2017-2021 لتنزيل السياسة العمومية المندمجة للنهوض بحقوق الأشخاص في وضعية إعاقة.

كما اعتمدت المملكة سياسة عمومية مندمجة للنهوض بحقوق الأشخاص في وضعية إعاقة، وإقرار وأجرأة مجموعة من الخدمات الموجهة لهذه الفئة في إطار صندوق دعم التماسك الاجتماعي، وإنجاز البحث الوطني الثاني حول الإعاقة، واستصدار قانون إطار يتعلق بحماية حقوق الأشخاص في وضعية إعاقة والنهوض بها، والذي يعتبر إطارا عاما يوجه تدخل مختلف الفاعلين في المجال، علاوة على تطوير الإطار التنظيمي المؤطر لحصيص توظيف الأشخاص في وضعية إعاقة بالقطاع العام.

وتهدف الترسانة القانونية، التي عمل المغرب خلال العقود الأخيرة على تعزيزها لفائدة هذه الفئة، التي يبلغ تعدادها أزيد من مليوني شخص في وضعية إعاقة، إلى مساعدة هذه الشريحة من المجتمع على مواجهة الإكراهات والتحديات في مجال الولوج إلى العلاجات والتعليم وكذا اندماجها الاجتماعي والمهني، لا سيما بعد المصادقة على الدستور الجديد.

كما انخرطت المملكة في تفعيل خطة التنمية المستدامة لعام 2030، من خلال إيلائها أهمية بالغة للأهداف التي تساهم في النهوض بالأشخاص في وضعية إعاقة وحمايتهم، خصوصا في إطار الأوراش القائمة مثل المبادرة الوطنية للتنمية البشرية.

ومن بين المبادرات المتخذة في هذا المجال مشروع قانون يتعلق بتعزيز حقوق الأشخاص في وضعية إعاقة، الذي يتضمن عدة إجراءات وتدابير تهم تمكين الأشخاص في وضعية إعاقة من الولوج إلى حقوقهم الأساسية في مجالات التربية والتعليم والوقاية والرعاية الصحية والتكوين والإدماج المهني والولوجيات والمشاركة في الأنشطة الرياضية والثقافية والترفيهية.

وفي هذا السياق، يحرص المغرب على مواصلة جهوده الحثيثة التي يبذلها للنهوض بحقوق الأشخاص في وضعية إعاقة، كأوراش تأسيسية مهيكلة، حيث تم وضع سياسة عمومية مندمجة للنهوض بحقوق هذه الفئة ومخطط عمل وطني لتنزيلها ومخطط خاص بالصحة والإعاقة، وقانون إطار ينص على ملاءمة التشريعات الوطنية مع التشريعات الدولية والاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة.

وعمل المغرب، أيضا، على إحداث صندوق للتماسك الاجتماعي بتدابير قانونية جديدة، ووضع تدابير ميزانياتية محددة، وذلك من خلال الأوراش المفتوحة، خاصة تلك المرتبطة بالولوجيات والإشارة، ومحاولة العمل على تعديل بعض النصوص المتعلقة بالأهلية القانونية .

وفي هذا الصدد، تجدر الإشارة إلى برامج دعم الأشخاص في وضعية إعاقة ضمن خدمات صندوق دعم التماسك الاجتماعي، الذي انطلق منذ سنة 2015، حيث بلغ مجموع الدعم الذي قدمه هذا الصندوق لهذه الفئة 680 مليون درهم في الفترة ما بين 2015 و2019، والبرنامج الوطني للتربية الدامجة، الذي أعطيت انطلاقته في يوليوز 2019.
وقد بلغ عدد المؤسسات التعليمية الدامجة 3488 (حوالي 31 بالمائة) من مجموع المؤسسات التعليمية، وبرنامج تكوين الموارد البشرية العاملة في مجال التكفل بذوي إعاقة التوحد “رفيق”، الذي انطلق في فبراير 2019؛ إضافة إلى البرنامج الوطني “مدن ولوجة” الذي ينفذ في إطار الشراكة بين وزارة التضامن والتنمية الاجتماعية والمساواة والأسرة والجماعات الترابية، والذي انطلق منذ سنة 2017.

من جهته، ساهم المركز الوطني محمد السادس للمعاقين، الذي دشنه صاحب الجلالة الملك محمد السادس في سنة 2006 كمؤسسة تابعة لمؤسسة محمد الخامس للتضامن، في تعزيز الجهود المبذولة في مجال التكفل الشامل والمندمج والاندماج الاجتماعي لفائدة الأشخاص في وضعية إعاقة.

وفي هذا الإطار، ينظم المركز المنتدى الوطني الثاني عشر للإعاقة، من 29 مارس الجاري إلى غاية 2 أبريل المقبل، حول موضوع اضطرابات طيف التوحد، وذلك بهدف تعبئة المتدخلين في مجال الإعاقة حول مختلف القضايا المتعلقة بالمنهجيات الدولية للتكفل باضطرابات طيف التوحد وفرص الإدماج الاجتماعي والاقتصادي للشباب المصابين بالتوحد.

وفي زخم الجهود الرامية إلى إدماج هذه الفئة من المجتمع، نظمت هذه السنة مباريات موحدة لتوظيف أشخاص في وضعية إعاقة من أجل توظيف 400 مترشحة ومترشح بمختلف القطاعات الوزارية، وذلك تحت إشراف رئيس الحكومة، وبتنسيق بين قطاع إصلاح الإدارة – وزارة الاقتصاد والمالية وإصلاح الإدارة – ووزارة التضامن والتنمية الاجتماعية والمساواة والأسرة.

يذكر أن هذه المباريات الموحدة نظمت أول مرة في 23 دجنبر 2018، قصد توظيف 50 متصرفا من الدرجة الثالثة، فيما تم تخصيص 200 منصب للمباريات التي جرت سنة 2019 لفائدة حاملي شهادة الماستر وشهادة الإجازة ودبلوم التقني المتخصص الذين وُزعوا على القطاعات الحكومية وفق معايير محددة، وحسب نوعية الإعاقة، سواء الحركية أو البصرية أو الذهنية، وكذا السمعية وغيرها.

وعلى مستوى العمل الجمعوي بالمملكة، سجل أداء الجمعيات العاملة في مجال الإعاقة تطورا ملحوظا ودينامية متسارعة، إذ تجاوزت مهامها التقليدية المتمثلة في التعبئة والتحسيس، لتضطلع بأدوار ريادية على مستويات عدة، أهمها بروزها كقوة اقتراحية لأفكار ومشاريع على الهيئات الرسمية المعنية؛ وتطوير مهاراتها الترافعية وتكريس دور المناصرة، فضلا عن المساهمة في تقديم مجموعة من الخدمات التأهيلية والاجتماعية لفائدة الأشخاص في وضعية إعاقة، خاصة على مستوى مؤسسات الرعاية الاجتماعية التي تحدثها بشراكة مع مجموعة من القطاعات الحكومية.

وقد أصبحت الجهود التي تبذلها هذه الجمعيات محط تنويه وإشادة على المستوى القاري والدولي لما تزخر به من كفاءات وخبرات تستعين بها مجموعة من المنظمات الدولية. وخير دليل على ذلك انتخاب السيدة سمية العمراني في اللجنة الأممية المعنية بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، مما سيسهم في ترسيخ وتطوير مكتسبات المملكة في مجال النهوض بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة.

يشار إلى أن معدل انتشار الإعاقة في المغرب بلغ، حسب نتائج البحث الوطني الثاني حول الإعاقة بالمغرب المنجز 2014، 6,8 في المائة، أي بما مجموعه، أكثر من مليوني شخص في وضعية إعاقة، وأن أسرة واحدة من بين أربع أسر في المغرب معنية بالإعاقة (24,5 في المائة من مجموع عدد الأسر).

ويعتبر القصور الحركي الأكثر انتشارا في صفوف الأشخاص في وضعية إعاقة بنسبة 50,20 في المائة، بينما يحتل كل من القصور الذهني المرتبة الثانية بنسبة 25,1 في المائة والقصور البصري المرتبة الثالثة بنسبة 23,8 في المائة.

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.