بوسلهام الكريني يكتب: تربية الأبناء على المشاركة في الشأن العام.. بين خطاب المنابر وواقع الإقصاء

إشراقة نيوز:

بوسلهام الكريني

 في خطبة يومه الجمعة التي كانت بليغة إلى حد ما، دعى الإمام الآباء إلى غرس قيم المشاركة في الشأن العام في نفوس أبنائهم، باعتبارهم رجال الغد وحملة الأمانة الوطنية. وقد استند الخطيب إلى نصوص قرآنية وأحاديث نبوية وسير الصحابة والتابعين، ليؤكد أن الانخراط في قضايا الأمة واجب ديني وأخلاقي، وأن المواطن الحق هو من يخدم وطنه بعلمه وجهده ونصحه، لا بمنصبه أو ماله فقط.

لكن، وبينما يعلو هذا الخطاب في المساجد، يواجه الشباب المغربي في الواقع جدرانا من الصمت والتهميش، وسياسات ممنهجة من القمع والتعتيم، تمنعهم من ممارسة هذا “الواجب” الذي يبشر به من فوق المنابر. فكيف نربي أبناءنا على المشاركة في الشأن العام، بينما يقصون منه قسرا؟ وكيف نغرس فيهم حب الوطن، بينما يعاملون كغرباء فيه؟

فالخطبة تدعو إلى تربية الأبناء على حب الوطن، وتحمل المسؤولية، والمساهمة في تدبير الشأن العام. لكنها تغفل عن الإشارة إلى أن هذه القيم لا تنمو في فراغ، بل تحتاج إلى بيئة حاضنة، تضمن حرية التعبير، وتكافؤ الفرص، ومؤسسات تستمع وتستجيب.

وفي المقابل، الواقع المغربي يشهد تضييقا متزايدا على كل أشكال التعبير الشبابي: من منع الوقفات السلمية، إلى محاكمة النشطاء، إلى شيطنة الأصوات الحرة في الإعلام. فكيف نطلب من الشباب أن “ينصحوا من ولاه الله أمرهم”، بينما يعتقلون لمجرد انتقادهم لسياسات عمومية أو مطالبتهم بالعدالة الاجتماعية؟

إن تربية الأبناء على الشأن العام لا تعني فقط تعليمهم الطاعة والانقياد، بل تعني أيضا تنمية وعيهم النقدي، وتعزيز حسهم بالمسؤولية، وقدرتهم على المبادرة والمساءلة. فالمشاركة الحقيقية لا تكون بالتلقين، بل بالتمكين: تمكين الشباب من أدوات الفهم، ومنابر التعبير، وآليات التأثير.

لكن ما نراه اليوم هو تربية على الخوف، لا على المشاركة؛ على الصمت، لا على النقد؛ على التبعية، لا على المبادرة. وهذا ما يفرغ الخطاب الديني من مضمونه، ويحوله إلى أداة تبرير للواقع بدل أن يكون محفزا لتغييره.

لقد استشهد الخطيب بسير الصحابة والتابعين، الذين ربوا أبناءهم على الجهاد والنصرة والمشاركة في الشأن العام. لكن هل نملك اليوم مؤسسات تعليمية وإعلامية تتيح للشباب أن يقتدوا بهؤلاء؟ هل نسمح لهم بأن يكونوا فاعلين في قضاياهم، أم نقصيهم من النقاش العام ونصادر أصواتهم؟

إن القدوة لا تبنى بالخطب فقط، بل بالممارسة. حين يرى الشاب أن من ينتقد الفساد يحاكم، ومن يطالب بالكرامة يقمع، ومن يبدع يهمش، فإنه سيتعلم أن “الشأن العام” ليس له، وأن الوطن ليس للجميع.

واختتمت الخطبة بالدعاء لأمن الوطن واستقراره، وهو دعاء صادق ومشروع. لكن الأمن الحقيقي لا يتحقق بالقوة وحدها، بل بالعدالة. والاستقرار لا يبنى على الخوف، بل على الثقة. والثقة لا تمنح، بل تكتسب من خلال احترام كرامة المواطن، وخاصة الشاب، وتمكينه من أن يكون شريكا لا مجرد تابع.

إن تربية الأبناء على المشاركة في الشأن العام يجب أن تكون تربية تحررية، تعزز فيهم روح المبادرة، والقدرة على النقد، والحق في التعبير، لا تربية تبريرية تكرس الطاعة العمياء والانقياد غير المشروط. فالوطن لا يبنى بالأتباع، بل بالمواطنين الأحرار.

وإذا أردنا فعلا أن نخرج من أبنائنا “رجال الغد”، فعلينا أن نكف عن معاملتهم كقاصرين في الحاضر. علينا أن نفتح لهم المجال ليعبروا، ويشاركوا، ويحاسبوا، ويغيروا. فالوطن الذي لا يسمع أبناءه، لن يسمعه العالم.

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.