حسن ضريف يكتب: المدرسة المغربية في زمنين.. جيل متصل بالعالم ومنظومة منفصلة عن زمنها

إشراقة نيوز: حسن ضريف

لم يعد سؤال المدرسة المغربية سؤالًا عن إصلاح مؤجل، بل عن قدرة منظومة مثقلة بإرثها على اللحاق بعالم رقمي يتحرك بسرعة غير مسبوقة. ففي الوقت الذي ينخرط فيه المتعلم المغربي، حتى في القرى النائية، في شبكة عالمية من الصور والمعلومات والتمثلات، تظل مدارس كثيرة خارج هذا الإيقاع، عاجزة عن توفير أبسط شروط التفاعل مع زمن جديد لا ينتظر من يتقاعس عن مواكبته.

على امتداد عقدين، مرّت المنظومة بتجارب متعددة حملت عناوين كبرى ووعودًا واسعة، من الميثاق الوطني إلى الرؤية الاستراتيجية. غير أن أثرها ظل محدودًا في الميدان، حيث بقيت البنيات التحتية ضعيفة، والبرامج الدراسية رهينة منطق الحفظ، والحوكمة التربوية غير قادرة على ضمان استمرارية السياسات أو انسجامها. وفي قلب هذا التعثر، برز الرهان الرقمي بوصفه أفقًا ضروريًا، لكنه لم يتحول إلى واقع بسبب غياب التجهيزات في عدد كبير من المؤسسات، ووجود أقسام مشتركة بلا برامج موحدة، وبنية مدرسية لا تمتلك الحد الأدنى لاستقبال أي تحول تكنولوجي.

ومع ذلك، فإن عمق الأزمة لا يرتبط بالتقنية وحدها، بل بالتناقض بين جيل رقمي يعيش يوميًا داخل فضاء عالمي مفتوح، وبين منظومة تربوية ما تزال أسيرة إيقاع بطيء، ومناهج لا تعكس مهارات القرن الحادي والعشرين. المتعلم الذي اعتاد التفاعل السريع والوسائط البصرية يجد نفسه أمام دروس تعتمد الحفظ والتكرار، فيتراجع دافع التعلم لديه ويكبر شعوره بأن المدرسة خارج زمنه الفعلي. وفي المقابل، يعيش المدرس تحت ضغط التوقعات المتزايدة، مطالبًا بالإبداع دون وسائل، وبإدماج الرقمنة دون تكوين كافٍ، ما يولد إرهاقًا مهنيًا ويخلق مقاومة صامتة للتغيير.

وتزداد الهوة اتساعًا في العالم القروي، حيث هشاشة الواقع الاجتماعي—فقر، مسافات طويلة، مدارس دون تجهيزات—تحول “الانتقال الرقمي” إلى أفق بعيد. فكيف يمكن الحديث عن إدماج التكنولوجيا في فضاءات لا تتوفر حتى على مقومات التعليم التقليدي؟ هنا بالضبط تتجلى المفارقة الكبرى: المتعلم متصل بالعالم، لكن المدرسة غير متصلة بمتعلمها.

إن التحدي اليوم ليس مجرد إدخال أدوات رقمية، بل إعادة تصور وظيفة المدرسة ودورها في مجتمع يتغير بسرعة لا تسايرها البنية التربوية. فالرقمنة ليست غاية تقنية، بل إطار جديد لإنتاج المعرفة وتنظيم التعلم، وهو ما يفرض إصلاحًا شموليًا يعيد للمدرسة قدرتها على مرافقة زمنها ومرافقة أبنائها.

وفي زمن السيولة الذي تحدث عنه باومان، حيث “لا شيء ثابتًا بما يكفي كي نتكئ عليه”، تبدو المدرسة المغربية مطالَبة بأن تتحرّر من صلابتها القديمة كي لا تتحول إلى مؤسسة غريبة عن زمنها. فكما يقول زيغمونت باومان: “المؤسسات الصلبة تعجز عن احتواء أفراد يعيشون في زمن سريع الزوال.” ويضيف في موضع آخر: “ما لم يتحرك البنيان الاجتماعي بسرعة الزمن، فسيتجاوزه الزمن ويتركه خلفه.”

هذا بالضبط ما يهدد المدرسة المغربية اليوم: أن يسبقها جيلها، وأن يبقى مستقبل المتعلم أسرع من قدرة المنظومة على فهمه.

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.