إشراقة نيوز: بوسلهام الكريني
في الوقت الذي احتفل فيه إقليم سيدي سليمان بالذكرى الحادية والعشرين للمبادرة الوطنية للتنمية البشرية، مستعرضا حصيلة “أرقامية” ضخمة للفترة ما بين 2019 و2025، بلغت 716 مشروعا بتكلفة 331 مليون درهم، تبرز في الأفق تساؤلات ملحة حول “الأثر” الحقيقي لهذه الاستثمارات على أرض الواقع. فهل نحن أمام قصة نجاح تنموي، أم أمام تقارير مكتبية لا تعكس التدهور التنموي الذي يعيشه الإقليم؟
فبينما يتباهى المسؤولون بإنفاق أزيد من 31 مليار سنتيم، يصدم المواطن السليماني بواقع يخالف تماما صورة “الجنة الموعودة”. فالمراقب للحقل التنموي بالإقليم يلحظ تباينا صارخا بين “البروتوكولات” الاحتفالية وبين الاندثار الغامض لعشرات المشاريع التي ولدت ميتة أو اختفت بقدرة قادر فور تسلم أصحابها للدعم.
لا يمكن الحديث عن المبادرة بالإقليم دون التوقف عند نماذج “الفشل الذريع” التي أهدرت فيها المال العام كبعض المشاريع الشبحية:
فأين ذهبت سيارات النقل المدرسي التي وجهت لبعض المدارس الخصوصية على حساب المدارس العمومية؟ والتي يمتص أصحابها جيوب الآباء بل وإن منها من اختفت منذ السنوات الأولى.. وما مصير عربات بائعات الخبز، والمكتبات، والمخابز التي تبخرت بعد فترة وجيزة من التمويل؟
كما يظل “مركز معالجة الإدمان” وصمة عار في تدبير ملفات المبادرة؛ حيث اختفى هذا المشروع قبل انطلاقته، وهو الذي كان مفترضا أن يستوعب عشرات الأسرة لتأهيل الفئات الهشة، في “شقة” ضيقة لا تكاد تتسع لسريرين، مما يطرح تساؤلات حول جدوى الدراسة التقنية والمالية لهذا المشروع.
ولعل نموذج مدرسة التعليم الأولي بحي “أولاد مالك” يعد مثالا صارخا على غياب الحكامة، حيث تم تجهيز المرفق لخدمة الأطفال، ليتحول لاحقا وبشكل غامض إلى مركز صحي، في سياسة “ارتجالية” تضرب عرض الحائط بحاجيات المواطن وتجعل من المشاريع مجرد أرقام إدارية لا تستند إلى دراسة ميدانية حقيقية. وأين اختفت تلك التجهيزات الممولة بنسبة 100 % من المبادرة والتي بلغت نسبة تقدم الأشغال فيها 40%..
وأخطر ما يواجه المبادرة الوطنية للتنمية البشرية بسيدي سليمان ليس فقط فشل المشاريع، بل “محاربة الناجحين”. فقد سجلت حالات لمشاريع شبابية كانت تشق طريقها نحو النجاح وتخلق فرص شغل حقيقية للعديد من الشابات والشبان الذين يعيشون في وضعية هشة، لكن أصحابها تعرضوا للتضييق والحسابات السياسية الضيقة من قبل جهات معينة هدفها عرقلة مسيرة النجاح وتسييس كل الجمعيات لخدمة أجنداتهم الفاشلة. هذه الجهات، التي تستخدم أساليب التشويش الممنهج وأقلاما مأجورة (مثل شعيبة بوكاصا كلب السياسيين المسعور الذي لا يروقه أي نجاح) لمحاربة كل مبادرة ناجحة، ساهمت بشكل مباشر في إفشال النماذج التي كانت يمكن أن تكون قاطرة للتنمية بالإقليم.
إن التقرير الرسمي الذي قدمه رئيس قسم العمل الاجتماعي لا يجيب على الأسئلة الجوهرية، كالآتية:
- أين ذهبت ميزانيات 331 مليون درهم؟ إذا كانت هذه الأموال قد صرفت فعلا في مشاريع ذات أثر، فلماذا لا يلمس المواطن هذا الأثر في بنيته التحتية وظروفه الاجتماعية؟
- وأين هي لجان التتبع والمراقبة؟ وما هو تقييمها لهذه المشاريع “المندثرة”؟ أم أن هدفها تصيد الفرص والهفوات لخدمة الأجندات المشؤومة وشهادة الزور الموبقة
- وهل المطلوب هو فقط “صرف الميزانية” لتبرير التقارير السنوية، أم خلق تنمية بشرية مستدامة؟
إن ادريس روبيو عامل إقليم سيدي سليمان، بصفته المسؤول الأول عن هذا الورش الملكي، مطالب بفتح تحقيق معمق في “مقبرة المشاريع” بالإقليم. إن استمرار الصمت تجاه هذه الاختلالات يعمق الهوة بين المواطن والمؤسسات، ويحول المبادرة الوطنية من “رافعة للتنمية” إلى مجرد آلية لتوزيع الدعم على “المحظوظين” وأصحاب الولاءات، بينما يظل الإقليم يراوح مكانه في طابور التنمية المتعثرة.
ملاحظة:
هذا المقال يفتح الباب أمام نقاش عمومي حول حكامة المبادرة الوطنية للتنمية البشرية بإقليم سيدي سليمان، في انتظار توضيحات رسمية حول مصير الأموال والمشاريع المشار إليها.



قم بكتابة اول تعليق