إدريس الراضي أمام استئنافية القنيطرة: صراع “الكاريزما” والوثائق الطبية في مواجهة أحكام حبسية ثقيلة

إشراقة نيوز: بوسلهام الكريني

شهدت محكمة الاستئناف بالقنيطرة فصلا جديدا من فصول الملف القضائي الذي يشغل الرأي العام المحلي والوطني، والمتعلق بالقيادي السابق في حزب الاتحاد الدستوري (الحصان) والمستشار البرلماني السابق، إدريس الراضي.

ففي جلسة طبعتها ملامح “الثقة والنفس الطويل”، حضر الراضي رفقة المتهمين الثمانية الآخرين في أولى جلسات المرحلة الاستئنافية، بعد مسار قضائي ابتدائي عاصف انتهى بإدانته غيابيا وتأكيد الحكم بعد التعرض بأربع سنوات حبسا نافذا.

لم تدم الجلسة التي انطلقت في حدود الساعة 12:15 زوالا طويلا؛ إذ فرض الواقع المهني لقطاع المحاماة نفسه على سريان المحاكمة. وفي ظل غياب دفاع المتهمين نظرا للمقاطعة الجماعية التي يخوضها أصحاب البذلة السوداء، فضلا عن تخلف دفاع المطالب بالحق المدني، تمسك المتهمون بحقهم المشروع في المؤازرة القانونية.
هذا الوضع دفع هيئة الحكم، بعد المداولة على المقعد، إلى تأخير الملف لجلسة 29 يونيو 2026، استجابة للمطالب وضمانا لشروط المحاكمة العادلة، وهو تأجيل يعكس حالة الشلل المؤقت التي تواجهها بعض الملفات القضائية نتيجة الاحتجاجات المهنية للدفاع.

في خطوة مشهدية لافتة، حرص إدريس الراضي على الدفاع عن “سمعته السياسية والقانونية” أمام الهيئة، موجها رسالة مباشرة إلى منصات التواصل الاجتماعي. الراضي قدم قرصا مدمجا يحتوي على تقارير وشواهد طبية، من بينها تقرير مختوم من هيئة الأطباء، يثبت إصابته بمرض مزمن، وأنه خضع لعمليات جراحية.

هذه الخطوة لم تكن مجرد إجراء قانوني لتبرير غيابه عن الجلسات السابقة، بل كانت محاولة رد اعتبار علنية لإنهاء ما وصفه بـ“التشويش والادعاءات المغرضة” من طرف بعض الصفحات الفيسبوكية التي اتهمته بالتماطل والتهرب من القضاء.

*ملاحظة: يسلط هذا السلوك الضوء على ظاهرة “المحاكمات الرقمية” الموازية؛ حيث يجد الفاعل السياسي نفسه مجبرا ليس فقط على إقناع القاضي ببراءته، بل وإقناع “محكمة الفضاء الأزرق” التي لا تعترف غالبا بالمساطر القانونية وتأثيرات المرض الطبيعية.

ومن الناحية النقدية للملف، يبرز خلاف جوهري حول “تكييف التهمة” وتلقي الرأي العام لها:

فهناك رواية سائدة شعبويا بالترويج للملف على أنه قضية “استيلاء على أراضي سلالية”.

في حين أن التكييف القانوني الحقيقي والتهمة الموجهة للراضي هي “المشاركة في تزوير محرر رسمي” إذ يتعلق الأمر باكتراء هذه الأراضي وليس تملكها أو السطو عليها.

هذا التباين يوضح كيف تقع القضايا الحساسة لرجال الأعمال والسياسة في فخ “التبسيط الاختزالي” من طرف الرأي العام، مما يغير من طبيعة النقاش القانوني الصرف ويحوله إلى قضية رأي عام ذات أبعاد اجتماعية حارقة..

فلا يمكن قراءة هذا الملف بمعزل عن دلالاته السياسية العمومية؛ فالشاكي في هذه القضية ليس شخصا عاديا، بل هو وزير الداخلية نيابة عن سلاليي المنطقة. فدخول أم الوزارات على الخط كطرف مشتكٍ يمنح الملف قوة قانونية ومؤسساتية كبيرة، وينفي عنه الطابع الشخصي للصراعات المحلية.

في المقابل، يصر إدريس الراضي على أن التهمة “منعدمة الأساس القانوني”، واضعا إياها في خانة “الحسابات السياسية الضيقة” الصادرة عن “جهات نافذة”. هذا الدفع الكلاسيكي من طرف رجال السياسة المتابعين قضائيا، يضع المحكمة أمام تحدي تصفية الملف من أي شائبة سياسية، والتركيز الخالص على الدلائل الجنائية، والوثائق، ومدى ثبوت تزوير المحررات الرسمية من عدمه.

هذا، وتدخل القضية مرحلتها الاستئنافية محملة بثقل حكم ابتدائي قاسٍ (4 سنوات حبسا نافذا). وستكون جلسة نهاية يونيو الجاري محط أنظار المتتبعين لمعرفة ما إذا كانت هيئة الحكم الجديدة ستسير في منحى الإدانة، أم أن معطيات الدفاع والدفوعات الشكلية والموضوعية ستغير مسار واحد من أعقد ملفات العقار والسياسة بجهة الغرب.

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.