“سيدي سليمان” في غيبوبة وردية.. عندما تصبح أبسط الحقوق “أضغاث أحلام”!

إشراقة نيوز: بوسلهام الكريني

في ليلة ليلكية من ليالي الخيال العلمي، قررت أن أرتدي حذاء المشي الطائر وأخرج في جولة تفقدية بشوارع مدينتنا الغراء، “سيدي سليمان”. ويا للمفاجأة السريالية! لقد ضللت الطريق حتما، أو أنني عبرت ثقبا دوديا رماني في كوكب اليابان الشقيق.

تخيلوا معي، رعاكم الله، أنني مشيت خطوتين متتاليتين دون أن يسقط كاحلي في حفرة تعود للعصر الجوراسي، ودون أن أضطر لممارسة رياضة القفز الحواجزي فوق أكوام النفايات التي كنا نعتبرها، إلى عهد قريب، جزءا من “الديكور البيئي” للمدينة. الشوارع مبلطة، ملساء، كأنها وجهت بعناية في صالون تجميل سويسري!

والأغرب من ذلك، أنني نظرت إلى الأعلى ولم أصب بالعمى؛ فالمصابيح كلها مشتعلة، تنشر ضياء أبيض ناصعا، واختفت تلك العتمة الرومانسية (المخيفة) التي كانت تؤنس قطاع الطرق والكلاب الضالة.

أما المعجزة الكبرى التي تستحق أن تسجل في كتاب “غينيس” للأرقام القياسية، فهي أنني مشيت فوق الرصيف! نعم، الرصيف الذي خلقه الله للمشاة، ولم أجد نفسي مضطرا لمزاحمة طاولات المقاهي وكراسيها التي كانت تحتل الأرض والجو وتطالب بحقها في الإرث. لقد تراجعت المقاهي إلى حدودها “السيادية”، وأصبح بإمكان المواطن السليماني أن يتجول بكبرياء دون أن يقتحم خصوصية فنجان قهوة شخص غريب.

وحتى أضواء المرور، تلك التحف الفنية المعطلة منذ عقود، رأيتها تومض بالأحمر والأخضر والأصفر، وشرطي المرور يقف في المدارة كأنه مايسترو يقود سمفونية بيتهوفن، والسيارات تقف بإجلال، والمشاة يعبرون من خطوط حمار الوحش التي لم تعد ممحية! وباعة القرب تخلوا عن احتلال “الشانزلزيه” الخاص بنا والتحقوا بأسواقهم المنظمة، والكل يبتسم، والكل سعيد…

لكن، وكما يقول المثل: “يا فرحة ما تمت”. فجأة، تعثرت بـ”مطب” حقيقي، لأسقط من سرير أحلام اليقظة الوردية وأرتطم بأرض الواقع المرير.

فمرحباً بك مجددا في سيدي سليمان الحقيقية!

  • تبخرت الأضواء، وعادت العتمة لتفرض هيبتها.
  • اختفى الرصيف، وعاد المشاة لمشاركة السيارات والشاحنات وسط الطريق في مغامرة يومية تحت شعار “البقاء للأقوى”.
  • وعادت الحفر لتفتح ذراعيها مرحبة بإطارات السيارات، في مشهد تراجيدي يبكي العين ويدمي الجيب.

واقع لن يغيره “السراب”

إن هذا الحلم الكابوسي الذي عشته لعدة دقائق ليس سوى مرآة عاكسة للواقع “الرث” الذي آلت إليه المدينة. فما نعتبره في أحلامنا “إنجازا إعجازيا” ويوم عيد، ليس في الحقيقة سوى أبسط الحقوق العادية جدا لأي تجمع بشري في القرن الحادي والعشرين.

فإلى متى سنظل نحلم بالإنارة، والنظافة، وتنظيم السير، وكأننا نطالب بوكالة ناسا للفضاء؟ وإلى متى ستبقى سيدي سليمان تعيش في “رثاء تام” بانتظار مسؤولين يستيقظون من سباتهم الشتوي، ليحولوا هذا السراب… إلى حقيقة نعيشها، لا كابوسا نستيقظ منه بنوبة فزع؟

عزيزي المسؤول.. إذا مررت من هنا، نرجو ألا تزعجك السخرية، فشر البلية ما يضحك، وحال مدينتنا اليوم.. يبكي بحرقة.

 

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.