بوسلهام الكريني يكتب: خدمة المواطن أم الجري وراء الكراسي؟ الملك يعري الواقع ويبرز القيمة الأخلاقية للخدمة العمومية

إشراقة نيوز: بوسلهام الكريني

” كما أنني لم أبحث يوما عن مجد شخصي، أو عن الاعتراف بدور ريادي، على المستوى القاري أو الدولي؛ بل كل ما يهمني هو النهوض بأمانة خدمتك، وتمكين جميع المغاربة من شروط العيش الحر الكريم…”

مقتبس من الخطاب الملكي السامي لجلالة الملك محمد السادس بمناسبة الذكرى 27 لتربع جلالته على عرش أسلافه الميامين..

تأتي هذه الكلمات الملكية لتختصر جوهر الحكم الصالح وتضع خطا فاصلا بين مفهومين متناقضين للعمل السياسي والإداري: مفهوم “الخدمة العمومية” كأمانة ومسؤولية أخلاقية، ومفهوم “المسؤولية” كفرصة لتحقيق المآرب الشخصية والنفوذ.

إن هذه المقولة ليست مجرد موعظة سياسية، بل هي بمثابة دستور أخلاقي وبوصلة توجيهية موجهة بالأساس إلى صناع القرار، والمنتخبين، والنخب السياسية والإدارية التي تتولى تدبير الشأن العام.

فعلى مدى سنوات، أظهرت الدينامية التنموية في المغرب تشخيصا صريحا يضع الإدارة والسياسة أمام مرآة الواقع، فالوظيفة العمومية والمنصب السياسي ليسا تشريفا أو غنيمة، بل هما تكليف يتطلب التفاني ونكران الذات. حيث يبرز الخطاب الملكي النقد الضمني للذين يتخذون من الخطابات الوطنية والمصالح الزائفة سبيلا للوصول إلى مراكز القرار، بينما تظل غايتهم الأولى حماية مصالحهم الفردية أو الفئوية.

إن السعي وراء “المجد الشخصي” أو الاغتناء على حساب قضايا الوطن يعد انحرافا صريحا عن الغاية التي وجدت من أجلها المؤسسات، والتي يتصدرها توفير “العيش الكريم” لكل مواطن ومواطنة.

وعندما يجعل “المواطن” في مركز الاهتمام، يتغير مفهوم الإنجاز والنجاح في العمل الحكومي والمحلي:

  1. ربط المسؤولية بالمحاسبة: لم يعد مقياس الكفاءة يقاس بالشعارات، بل بمدى أثر السياسات العمومية على حياة المواطن اليومية (التعليم، الصحة، التشغيل، والعدالة الاجتماعية).
  2. قطع الطريق أمام الانتهازية: تقتضي الخدمة الفعلية للشعب الحزم أمام كل أشكال الفساد وتضارب المصالح التي تعطل مسار التنمية وتستنزف ثروات الوطن.

إن الرسالة الضمنية التي يحملها هذا المقتطف من الخطاب الملكي ترتكز على ضرورة إعادة الاعتبار لمفهوم الثقة بين المواطن ومؤسساته:

إن ربط الممارسة السياسية بخدمة العيش الكريم للمواطن هو الكفيل بإنهاء عصر “الكراسي الدائمة” وربط استحقاق المنصب بالنتائج الملموسة على أرض الواقع.

فلن تكون هناك تنمية حقيقية ومستدامة إلا بنخب تمتلك الرؤية الأخلاقية والغيرة الوطنية، وتدرك أن أمانة الوطن أعلى وأعظم من أي مكاسب شخصية عابرة.

وتظل الكلمات السامية جرس إنذار دائم لكل من يتولى أمرا من أمور المواطنين: أن الوطن أسمى من كل المصالح الضيقة، وأن نبل المسؤولية يكمن في مدى ما يلمسه المواطن البسيط من كرامة وعدالة وعدالة مجالية. فخدمة الشعب هي المجد الحقيقي الذي يدوم، وما دون ذلك ليس إلا فقاعات تزول بزوال المصالح.

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.