إشراقة نيوز: بوسلهام الكريني
تعلمنا الممارسة السياسية الرشيدة أن التنظيمات الحزبية وجدت لتكون أداة لخدمة الصالح العام ورافعة للتنمية المحلية، لكن الواقع الميداني في كثير من المحطات يكشف مفارقة صارخة: هناك من يزرع بصمت وتضحية، وهناك من يتربص بالمشهد ليحصد دون عناء.
تختزن الذاكرة السياسية والجمعوية بمدينة سيدي سليمان محطات فارقة لا يمكن للتاريخ المحلي أن يطمس معالمها، مهما تعاقبت الوجوه وتبدلت المواقع. ولعل استحضار حقبة تأسيس وتثبيت أركان حزب الأصالة والمعاصرة بالإقليم يعيد إلى الأذهان اسما ظل مرادفا للبذل غير المشروط والوفاء الميداني حيث لا يمكن للتاريخ النزيه ولا لذاكرة الساكنة أن تتجاهل الدور المحوري الذي لعبه ابن المدينة البار، محمد العروصي، الرجل الذي قاد سفينة “الجرار” في أحلك الظروف، وفي زمن البناء الصعب، مانحا الحزب وزنا وحضورا، باذلا الغالي والنفيس من ماله الخاص وجهده الميداني، إيمانا منه بمشروع تنموي يخدم مسقط رأسه أولا وأخيرا، قبل أن تتحول التضحيات إلى جسر عبور استغلته فئات ركبت على أكتاف الآخرين لتحقيق مكاسب شخصية ضيقة.
لم تكن اللقاءات الحزبية الحاشدة التي احتضنتها قاعات المدينة – وفي مقدمتها لقاءات تاريخية مثل ذلك الذي شهدته «قاعة بغداد» لانتداب مؤتمري الحزب – مجرد تجمعات خطابية عابرة، بل كانت ترجمة حقيقية لجهد لوجستي ومادي تكفل به محمد العروصي من نفقته الخاصة؛ من توفير المقرات، وتأمين التغذية، وضمان تنقل المناضلين وتأطيرهم. كان الهدف بناء صرح تنظيمي قوي يخدم الصالح العام ويدافع عن قضايا الإقليم، إلا أن المفارقة المؤلمة تكمن في تلك الفئة التي تتقن فن “الركوب على الأكتاف”؛ شخصيات لم تقدم درهما واحدا ولا جهدا يذكر في مراحل التأسيس العصيبة، وسرعان ما تقدمت الصفوف لتحويل التضحيات الجماعية إلى غنائم ومصالح شخصية ضيقة، مفسحة المجال لمنطق الاسترزاق السياسي على حساب الصدق النضالي.
إن القيمة الحقيقية للعمل العام تتجلى في مدى ملامسته للحقوق الأساسية للمواطنين والنهوض بالبنية التحتية والاجتماعية للمدينة. وهنا يتجاوز سجل محمد العروصي الطابع الحزبي ليصبح نموذجا للمسؤولية المجتمعية والمواطنة الحقة.. حيث لم تنحصر بصمة محمد العروصي في سيدي سليمان داخل أسوار المقرات الحزبية، بل امتدت عميقا في النسيج الاجتماعي للمدينة عبر مبادرات ملموسة شملت ما يلي:
- في أحلك اللحظات التي عاشتها المدينة إبان الفيضانات، وتحديدا في الضفة الغربية حيث انهارت المساكن الطينية الهشة وتركت الأسر في مواجهة العراء، كان التدخل الميداني المباشر للعروصي حاسما في إعادة بناء وترميم تلك البيوت، معيدا الكرامة والأمان للعشرات من العائلات المعوزة.
- وفي ظل واقع صحي يتطلب التضامن والتكافل، رعى ومول العروصي سلسلة من العمليات الجراحية الدقيقة والمعقدة للفقراء، وبشكل خاص جراحات العيون وإزالة “الجلالة”، مما أعاد نعمة البصر والأمل لعيون كادت تفقد النور بسبب العوز والحاجة.
- كما لم يتردد العروصي يوما في وضع آلياته الثقيلة للحفر ومعدات البناء الخاصة – بوقودها وعمالها – تحت تصرف نيابة التعليم لأيام متواصلة، لتنقية محيطات المؤسسات التعليمية وتأمينها، فضلا عن تمويل صباغة المدارس وترميمها. كما شملت مبادراته تزيين شوارع المدينة وأزقتها وغرس الأشجار، إيمانا منه بأن جمالية الفضاء العام حق أساسي لكل ساكنة سيدي سليمان.
إن النقد الصحفي الهادف ليس تصفية للحسابات، بل هو واجب لتوثيق الحقيقة وإنصاف من يستحق الإنصاف. وسيبقى محمد العروصي في وجدان ساكنة سيدي سليمان ذلك “الولد الصالح” والمناضل المخلص الذي بذل وقدم لمدينته دون من أو انتظار مقابل، مهما نسجت ضده الدسائس والمكائد.
أما الذين اعتادوا القفز على إنجازات وتضحيات غيرهم، فإن التاريخ كفيل بكشف زيفهم، لأن ما ينفع الناس يمكث في الأرض، أما زبد المصالح الشخصية فيذهب جفاء.



قم بكتابة اول تعليق