معضلة معصرة “أوليا جبلية” بإقليم تاونات: بين شبح التفويت بالمزاد العلني وأسئلة الحكامة الضائعة

 إشراقة نيوز: محمد الهاشمي

تتوجه الأنظار باهتمام وقلق بالغين نحو إقليم تاونات، وتحديدا إلى جماعة بني وليد، على وقع النداء العاجل الذي أصدرته لجنة دعم منكوبي فيضانات إقليم تاونات.

يأتي هذا النداء رفضا قاطعا لقرار بيع وحدة تثمين وعصر الزيتون التابعة للمجموعة ذات النفع الاقتصادي “أوليا جبلية” بالمزاد العلني المقرر تاريخه في 07 أكتوبر 2026، بثمن افتتاحي هزيل لا يتجاوز 540,000.00 درهم، وذلك تنفيذا لملف التنفيذ رقم 2025/6305/161.

هذا الحدث ليس مجرد نازلة قانونية عادية لمجابهة ديون تجارية، بل يمثل اختبارا حقيقيا لمدى نجاعة آليات الحكامة، ومساءلة المال العام، وحماية المشاريع التنموية ذات الأبعاد الاجتماعية والاجتماعية-الاقتصادية في المناطق القروية الجبلية.

هذا وقد تأسست وحدة “أوليا جبلية” في إطار شراكة استراتيجية وتنموية كبرى، امتزجت فيها اعتمادات مالية ضخمة ودعم دولي ووطني؛ فقد رأت النور بتمويل ودعم من برنامج “تحدي الألفية” (Millennium Challenge Corporation)، بتعاون وثيق مع المملكة المغربية، إضافة إلى اعتمادات عمومية في إطار برامج الفلاحة التضامنية ومساهمات ذاتية قدمها فلاحو المنطقة.

ولم تكن هذه الوحدة مجرد جدران وآلات، بل وجدت لتلعب دور “القاطرة الاقتصادية والاجتماعية” لصالح صغار ومتوسطي المنتجين في جماعات بني وليد، فناسة باب الحيط، والجماعات المجاورة. وقد تمثلت رسالتها الجوهرية في تقديم خدمات عصر الزيتون بجودة عالية، وتحسين مداخيل الأسر القروية، وتثبيت السكان بأرضهم، والحد من موجات الهجرة القروية. وعليه، فإن التعامل مع هذا الصرح الاقتصادي بمنطق الأصول التجارية البحتة وإخضاعه لمزاد علني بثمن بخس، يعد إعداما لمكسب تنموي جماعي.

ويثير الملف تساؤلات مالية ومحاسباتية كبرى تكشف عن اختلالات واضحة في تسيير الشركاء والأطراف المتدخلة على مدى سنوات؛ إذ تفيد المعطيات الواردة في نداء اللجنة بأن المنشأة جرى كراؤها منذ سنة 2017 بمبلغ سنوي يناهز 33 مليون سنتيم.. فعلى مدار ثماني سنوات كاملة من الكراء، تراكمت عائدات مالية صافية تصل إلى ما يناهز 2,640,000.00 درهم. وفي مقابل هذه المداخيل المهمة، تطالب مؤسسة القرض الفلاحي – التي يسجل عليها صمت مطبق طيلة هذه المدة على المستويات المركزية والجهوية والإقليمية – بمبلغ يناهز 3 ملايين درهم، بينما تتحدث مصادر أخرى عن مديونية قد تصل إلى 6 ملايين درهم. فهذا التناقض الصارخ يضعنا أمام أسئلة ثقيلة مشروعة:

  • من كان يقبض عائدات الكراء طيلة ثماني سنوات؟ وفي أي قنوات صرفت هذه الأموال إذا كانت لم توظف في سداد الدين المزعوم؟
  • لماذا غابت آليات المراقبة والمحاسبة والمواكبة القبلية والبعدية من طرف الجهات الوصية (كالقرض الفلاحي، والمديرية الإقليمية للفلاحة، ومكتب تنمية التعاون)؟
  • كيف استمر الوضع المالي في التدهور وارتفاع المديونية دون تفعيل بنود مراجعة العقود أو إيقاف سريانها في سنوات العجز الأولى؟

ففي ظل هذه الضبابية التدبيرية، رفعت اللجنة سقف المطالب بنداء استعجالي موجه إلى كافة السلطات المركزية والرقابية والقضائية (وزير الداخلية، وزير الفلاحة، رئيس المجلس الجهوي للحسابات، الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة، وعامل إقليم تاونات، وغيرهم)، وتتلخص المطالب فيما يلي:

  1. التعليق الفوري لإجراءات البيع بالمزاد العلني المقرر في 07 أكتوبر 2026، نظرا للرمزية الاجتماعية والاقتصادية للمنشأة.
  2. فتح تحقيق قضائي وإداري شامل في مسار تدبير المشروع منذ تأسيسه، مع تدقيق محاسبي دقيق لعائدات الكراء منذ سنة 2017 وتحديد المسؤوليات بدقة.
  3. شفافية العقود والمعاملات عبر نشر كافة عقود الكراء وكشوفات الأداء، وربطها بالالتزامات العالقة تجاه مؤسسات التمويل.
  4. محاسبة كل متسبب في هذا الانهيار المتعمد، صونا للمال العام الوطني والدولي (الأمريكي)، وحفاظا على حقوق فلاحي المنطقة.

ولا تقف المرافعة النقدية للجنة عند حدود التشخيص والرفض، بل تقدم بديلا عمليا وتنمويا متكاملا يغني عن منطق التصفية والبيع، ويقوم على ركائز أساسية تشمل:

  • تشكيل لجنة مؤقتة لعقد جمع عام استثنائي لمجموعة النفع الاقتصادي لتجديد هياكلها (خاصة بعد وفاة رئيسها)، وتأسيس اتحاد للتعاونيات بالمنطقة ليكون إطارا مؤسساتيا قادرا على الإدارة الاحترافية.
  • توقيع بروتوكول اتفاق بين مؤسسة القرض الفلاحي واتحاد التعاونيات يقضي بإعادة جدولة الديون العالقة، وكشف مصير عائدات الكراء السابقة، وفتح خطوط تمويلية تشجيعية بشروط ميسرة.
  • تسليم الوحدة لشباب المنطقة وتعاونياتها في إطار مقاربة مواكبة تشمل التكوين التقني، والتأطير، وتثمين سلاسل إنتاج الزيتون، بما يضمن استدامة المشروع ورد الاعتبار للوظيفة التنموية والاجتماعية التي أنشئ من أجلها أصلا.

إن ملف معصرة “أوليا جبلية” ببني وليد ليس سوى مرآة لاختلالات تدبيرية تعاني منها بعض مشاريع الاقتصاد الاجتماعي والتضامني بالمجالات القروية عندما تفتقد للمواكبة الحقيقية والرقابة الصارمة. وإن التفريط في هذه المعلمة بالمزاد العلني وبأثمان زهيدة يعد خسارة فادحة لا تعوض لساكنة تاونات.

ومن هنا، يظل التدخل العاجل للجهات المسؤولة لتعليق البيع، وفتح تحقيق نزيه ومسؤول، وتبني البديل التعاوني، هو السبيل الأوحد لإنقاذ ما يمكن إنقاذه وإعادة الثقة للمواطن في عدالة التنمية المجالية.

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.