بوسلهام الكريني يكتب: بين خطابات الشعارات والواقع المرير.. المرأة القروية وواقع التهميش

إشراقة نيوز: بوسلهام الكريني

في الوقت الذي تحتفي فيه الخطابات الرسمية بالأيام العالمية، وتتنافس المنابر في تلميع صور البرامج التنموية عبر استعراض لغة الأرقام والمواكبة والتمكين الاقتصادي، يعيش العالم القروي بإقليم سيدي سليمان على وقع مفارقة مؤلمة.

فاللقاء التواصلي الذي نظمته عمالة الإقليم بمناسبة اليوم العالمي للمرأة القروية تحت شعار:  “المرأة القروية والتنمية المجالية:  آفاق التمكين الاقتصادي في إطار المبادرة الوطنية للتنمية البشرية”، وإن بدا في ظاهره مبررا بتسليط الضوء على دور المبادرة الوطنية للتنمية البشرية ومؤسسات الدعم (مكتب تنمية التعاون، أنابيك، أونسا، والاستثمار الفلاحي)، إلا أنه يرتطم بشكل مأساوي مع حائط الواقع المعيش. إنها مناسبة أخرى تكشف الهوة السحيقة بين الوعود الفوقية والتحديات البنيوية التي تعاني منها نساء يعتصر الفقر والهشاشة أيامهن.

لقد استعرض اللقاء حزمة من التدخلات المؤسساتية التي ترسم صورة وردية عن إدماج المرأة القروية في الدورة الاقتصادية عبر التعاونيات والمشاريع المدرة للدخل، غير أن القراءة النقدية لهذه المخرجات تكشف عن عدة ثغرات بنيوية…

إن التركيز على التأسيس والمواكبة وتقريب الخدمات عبر الوحدات المتنقلة يظل “حبرا على ورق” ما لم تسبقه بنية تحتية قاعدية. كيف يمكن الحديث عن ريادة الأعمال وتطوير القدرات الإنتاجية وولوج الأسواق الدولية لتعاونيات نسائية تعجز عضواتها عن أبسط مقومات العيش الكريم؟

كما أن التوصيات والإرشادات التي قدمها المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية بشأن التوسيع والتتبع وجودة بيئة العمل تبدو وكأنها تخاطب نساء يعشن في مدن صناعية نموذجية، متجاهلة تماما غياب أبسط شروط الإنتاج السليم داخل الدواوير والمناطق النائية بسيدي سليمان.

إضافة إلى أن الحديث عن دعم الجرارات والآلات الفلاحية يخدم في الغالب فئات معينة أو مزارع كبرى، بينما تظل المرأة القروية البسيطة التي تكابد العناء اليومي في الحقول بأبخس الأثمان خارج دائرة الاستفادة الحقيقية من هذه الإعانات الموجهة.

إن إقليم سيدي سليمان، الذي طالما كان مسرحا لصراعات “تجار الانتخابات”، يحتاج إلى أكثر من مجرد كبسولات تعريفية ومعارض موسمية تعرض منتجات المجالية. إن استغلال جهود النساء القرويات في شعارات براقة بينما تترك أجسادهن المنهكة عرضة للاستغلال المزدوج، يعد شكلا من أشكال التحايل التنموي.

المرأة القروية بسيدي سليمان لا تبحث عن تصفيق المؤتمرات، بل تبحث عن حقوق أساسية غابت عقودا بسبب سوء التدبير والتهميش الممنهج:

– كهرباء قروية مجردة من المعنى (أعمدة تآكلت أسلاكها ومصابيح لا تضيء)، وطرق مهترئة تعزل الدواوير عن المراكز الحضرية.

– وسائل نقل مهترئة تعرض سلامة النساء للخطر يوميا في رحلاتهن المضنية للبحث عن لقمة العيش أو العلاج.

– طوابير طويلة ومرهقة لانتظار قطرات ماء شروب بات حلما بعيد المنال في قرى الإقليم.

– مستوصفات مغلقة أو فارغة من الأطر والأدوية، ومستشفى إقليمي عاجز عن الاستجابة للحد الأدنى من الخدمات الصحية، مما يجعل الولادة في القرى مغامرة تحفها الموت.

من منطلق الكرامة والحماية تم الاحتفاء باليوم العالمي للمرأة القروية بالورود والشعارات وفي واقع الحال تستمر مأساة نون النسوة القروية بسيدي سليمان تحت طائلة الفقر والهشاشة والتهميش… ومنبعا للربح السياسي والانتخابي حيث تعتبر مصدرا مهما للأصوات الانتخابية والاستغلال السياسي..

إن إنقاذ المرأة القروية بإقليم سيدي سليمان من براثن الفقر والتهميش لا يتأتى عبر اللقاءات الفولكلورية والخطب الموسمية التي لا تطعم جائعًا ولا تروي عطشانًا. إنها مسؤولية تاريخية وأخلاقية تستوجب:

  1. مراجعة شاملة لبرامج المبادرة الوطنية بالإقليم لضمان وصول الدعم إلى المستحقات الحقيقيات بعيدًا عن الزبونية والمحسوبية.
  2. الاستثمار الفعلي في البنيات التحتية الأساسية: تعميم الماء الشروب، فك العزلة بطرق محترمة، وتوفير النقل القروي الآمن.
  3. النهوض بالقطاع الصحي والاجتماعي: تأهيل المستوصفات القروية وتوفير الأطقم الطبية لإنقاذ الأمهات والحوامل من جحيم الإهمال.

فمتى تتحول التنمية من مجرد حبر على أوراق التقارير الرسمية إلى واقع ملموس يعيد الاعتبار لكرامة النساء القرويات هن أساس استمرارية هذا الوطن؟

سؤال للنقاش: في ظل استمرار سياسة ترقيع الأزمات بالإقليم، ما هي الآليات الرقابية المجتمعية الكفيلة بضمان تحويل الدعم العمومي إلى مشاريع تنموية مستدامة تحمي المرأة القروية من الاستغلال السياسي والهشاشة؟

 

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.