الدوحة زمن الشهر الفضيل.. جدل الاحتضان وتبادل التأثير بين طقوس أصيلة ومتنوع ثقافي وافد

في الدوحة، التي لا تسبل جفونها قط عن مواصلة بناء حداثتها، يعبر زمن الشهر الفضيل خفافا بالرغم من وهج حرارة صيف حل في أوجه مبكرا. وفي قلب الصورة يبدو تساكن فريد ضمن جدلية يحكمها الاحتضان وتبادل التأثير بين ثقافة البلد، من طقوس وممارسات، والوافد إليها في ركاب الجاليات المسلمة المقيمة.

طقوس تتزاحم وتتباين في تفاصيل بعينها، لكنها تتقاطع جميعها عند ثابت الإكثار من العبادات، واغتنام فسح التسامر، واقتناص ملذات أطباق وهوايات تستمد نسغها من طبيعة الزمن في خصوصيته الثقافية والروحية.

وفي قلب هذا التساكن والاحتضان للآخر والدينامية المتنامية التي تواصل تغيير الوجه المعماري والثقافي للبلد، يحضر بقوة السؤال عما تبقى من ملامح أزمنة السلف، والمستجد منها تأثرا بالمتنوع الثقافي للمقيمين على كثرتهم، والكيفية التي تم بها استيعاب العلاقة بين أصيل الثقافة المحلية في طقوسها وممارساتها خلال الشهر الفضيل والمتنوع الوافد اليها المقيم بينها وأيضا العابر لحدودها.

ما من اختلاف، بحسب ما يتيحه أبسط رصد لدينامية العلائق المشكلة للهوية الثقافية للمجتمع القطري، على أن الثابت والمشترك الثقافي بين المواطنين والمقيمين من الجاليات المسلمة، هو ذلك الاستعداد الروحي وأيضا المادي لاستقبال هذا الشهر برغبة أكيدة، يتواصل تناميها عند إقباله سنة بعد الأخرى، في تحصيل أكبر استفادة روحية.

ويكون اوج هذا المشترك الثابت في ما تترافق به شعيرة الصوم من متع خاصة؛ يندغم فيها ما هو روحي بما هو مادي دنيوي، بدءا من تذوق حلاوة الطاعة في تنوع العبادات وتعدد أبوابها من ذكر وصلاة وقراءة قرآن وصدقة، مرورا بخاصية الالتذاذ بفرحة الإفطار وبأنس تحلق الأسرة في وقت واحد حول نفس المائدة، وأيضا بامتداد أوقات السمر مع الأهل والأصدقاء، واتساع الوقت بما قد لا يكون متاحا في غيره لممارسة هوايات كالرياضة والمطالعة وملاحقة الأنشطة الثقافية والفنية والدينية من حلقات ذكر وندوات ومحاضرات ومعارض فنية بأصنافها.

كما أنه من الثابت والمشترك بين هذه الثقافات أن الاستعدادات المحركة لكل الطقوس الاجتماعية المواكبة لهذه المناسبة وأيضا لحركة السوق تبدأ مبكرا في شهر شعبان، ومن داخل الأسرة، تقودها ربة البيت. لكن تفاصيل الإعداد ونوعيات الأطباق المعدة للإفطار والسحور تختلف في دول الخليج عما هو عليه الأمر بالنسبة لمنطقة الشام والعراق ودول شمال إفريقيا وقد تختلف كلية لدى باقي الدول الإسلامية، بينما تبدو متقاربة ومتماهية لدى القطريين والبحرينيين والكويتيين والعمانيين، مع اختلافات متفاوتة في باقي دول الخليج الأخرى.

تقول باسمة الكعبي، وهي سيدة قطرية، متحدثة لوكالة المغرب العربي للأنباء، إنها تبدأ استعداداتها مبكرا، بالإشراف على ترتيب المطبخ والمخزن وشراء الجديد من الاواني ولوازم اعداد أطباق رمضان، لتنكب بعدها على إعداد البهار القطري (خلطات التوابل الخاصة بكل “طبخة”)، و”الدهنة القطرية” أو السمن (المستخلص من الزبدة)، وخبز “الرقاق” (وهو خبز من دقيق وماء وملح يحضر على شكل دوائر شفافة) لصنع طبق الثريد، الحاضر بقوة في المائدة الرمضانية القطرية، والمكون في العادة، من مرق به لحم وخضر يكون سقيا للرقاق المجهز قبلا، الى جانب “السمبوسة” بأصنافها (مثلثات تتنوع محتوياتها).

وتضيف السيدة الكعبي أن مائدة الإفطار تتكون عادة من طبق الثريد والارز والهريس (طبق خليجي بامتياز يتكون من حب القمح والدجاج والدهن والبصل يهرس بعد طبخه ليصير مثل العجين اللزج)، الى جانب الشوربة و”السمبوسة”، فضلا عن المشروبات الباردة الجاهزة او المحضرة في البيت.

وقبل وجبة السحور، يكون موعد الأسرة بعد الانتهاء من صلاة التراويح، بحسب التقاليد القطرية، مع مائدتين، الأولى خاصة بأطباق الحلويات، وتكون مرافقة للسمر العائلي، وغالبا ما لا تخلو من اللقيمات (كرويات الحلو المعدة من الدقيق والنشا والحليب المجفف والسكر والقشطة)، وطبق الساقو (مكون من دقيق نشوي مستخلص من لب النخيل والسكر والزعفران والهيل المطحون وماء الورد والجوز والزبدة)، والمهلبية أو المحلبية (خليط النشا بالحليب والسكر). أما المائدة الثانية فتسمى “الغبقة”، وهي تتكون في الغالب من السمك والأرز الابيض والاحمر الممزوج بالسكر.

وتلتقي مكونات هذه المائدة القطرية المتوارثة، في كثير من تفاصيلها، مع سليلتها لدى باقي دول الخليج، إلا أن جدلية الاحتضان وتبادل التأثير مع ثقافات الجاليات المسلمة المقيمة تبدو جلية في تزايد اقبال القطريين على تذوق واستحسان أطباق وافدة من الشام وشمال افريقيا، واهتمام بعض ربات البيوت من القطريات بالتعرف على أسرار تحضير بعضها، أو اللجوء الى طلب الحصول عليها جاهزة من المحلات المتخصصة.

يقول السيد حسن عبيد، من مواليد قطر وقيدوم الجالية المغربية، أنه أصبح في حكم المعتاد الطلب المتزايد من قبل الأسر القطرية على الأطباق واللباس التقليدي المغربي في المناسبات الدينية كرمضان وغيرها من المناسبات الاحتفالية.

وأضاف السيد عبيد، وهو رئيس رابطة الجالية المغربية في قطر، في بوح للوكالة، أن مواظبة الأسر المغربية المقيمة في قطر على احياء المناسبات الدينية، ورمضان بالخصوص، وفقا للتقاليد المغربية في كافة جزئياتها، لا يعني غياب انفتاح هذه الجالية على ثقافة البلد المضيف وثقافات الجاليات المسلمة المقيمة الجارة في المسكن والصديقة بحكم المعاشرة والزمالة في العمل.

وفي بوح مماثل، أكدت السيدة آمال اليحياوي، الباحثة في مجال الهجرة وعضو رابطة الجالية المغربية في قطر، أن ملامح الثقافة والطقوس الاحتفالية القطرية بالشهر الكريم “متأصلة جدا لدى الشعب القطري الذي لا يسمح أن تضيع هويته وسط هذا الكم الهائل من الثقافات التي تضمها أرضه، لكنه في نفس الوقت متطلع إلى أن يعرف الآخر ويكتشف ما لديه ويترك مجالا لما هو نافع وإيجابي بالدخول إلى غرفة ولادة الثقافات”.

وأضافت أن “استيعاب التعدد واحترام الاختلاف شيء حميد ومُجد”، وأن القطريين أدركوا مبكرا أن “التعدد الثقافي الحاصل في بلدهم خُلِقَ في أساسه من أجلهم ولراحتهم، فرحبوا به وتعايشوا معه بكل سلاسة”.

ويتفق أفراد الجاليات المسلمة، على أن لهذا الحوار الثقافي والعيش المشترك تبادل تأثير واحتضان من الطرفين؛ إذ في الوقت الذي تحافظ فيه الجاليات المقيمة في قطر على أجواء بلدانها في الاحتفال برمضان وغيره من المناسبات في أدق التفاصيل سواء تعلق الأمر بالملبس أو المأكل أو أسلوب ممارسة الشعائر، فإنها لا تجد أدنى غضاضة في الانفتاح على بعضها البعض لتذوق طعم التقارب وأيضا التنوع والاختلاف.

ولا يقف الأمر عند حدود التعرف على الآخر الثقافي، بل في كثير من الأحيان يتم الانتقال، برأيهم، الى مرحلة تبني بعض من مفردات هذه الثقافات بطريقة عفوية يتحكم فيها التعايش، ويفرضها أحيانا حصول المعرفة لدى الجانبين بتقاطع الكثير منها عند ملمح ومعاني مشتركة أصيلة غيبها فقط تباعد تاريخي ظرفي.

ويؤكد واقع الحال بما لا يخفى على كل متتبع مرهف أن هذا الالتقاء الثقافي، الذي تزكيه قابلية جميع الأطراف للانفتاح على بعضها والرغبة في اكتشاف الآخر بجرعات كبيرة من التسامح والترحاب المتبادل، هو ما قد يؤسس على المديين المتوسط والبعيد لروح متلاحمة، قد تبني وتؤسس لتصورات وصور ثقافية مركبة بنكهة مستجدة، دون ان تغيب في دينامية تشكلها المميزات الهوياتية للثقافة المضيفة والثقافات الوافدة، بقدر ما تغتني وتتعزز أبعادها الإنسانية والكونية.

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.