بوسلهام الكريني يصرخ من جديد: “لا نريد لأبنائنا أن يرثوا صمتنا”..

إشراقة نيوز: بوسلهام الكريني

في زمن تتسارع فيه التحولات، وتعلو فيه الأصوات المطالبة بالعدالة والكرامة، يخرج جيل من الكبار عن صمته، ليعلنها مدوية: لا نريد لأبنائنا أن يرثوا صمتنا، ولا أن يعيشوا المصير الذي رضينا به يوما، تحت وطأة الخوف أو اليأس أو التهميش.

لقد عانى كثيرون منا في صمت طويل، صمت لم يكن علامة رضا، بل نتيجة تراكمات من الإحباط، من غياب الأمل، ومن انسداد الأفق. لم نشجب، لم نحتج، لم نرفع الصوت حين كانت الحقوق تغتصب، والكرامة تهان، والخدمات تنهار في قطاعات التعليم والصحة والشغل والإدارة. كنا شهودا على تراجع ممنهج، لكننا لم نكن فاعلين في تغييره.

واليوم، ونحن نرى أبناءنا يكبرون في واقع لا يختلف كثيرا عن ماضينا، نرفض أن يكونوا ضحايا لصمتنا القديم. نرفض أن يرثوا الخنوع، أو أن يقنعوا بأن “هكذا هي الأمور”. نريد لهم وطنا يحترمهم، مؤسسات تنصت لهم، وعدالة تنصفهم، وإدارة تخدمهم لا تهينهم.

إن المطالب اليوم واضحة: تغيير وجوه التسيير التي استوطنت مواقع القرار دون مساءلة، وتحديث العقول التي ما زالت تدير الشأن العام بمنطق الوصاية والتسلط. لا يمكن أن نحدث تحولا حقيقيا دون القطع مع العقليات التي ترى في المواطن رقما، لا شريكا في البناء.

نريد إدارة عمومية شفافة، مسؤولة، خاضعة للمحاسبة. نريد إعلاما حرا، وقضاء مستقلا، ومجالس منتخبة تعبر عن نبض الناس لا عن مصالح ضيقة. نريد أن نعيد الاعتبار لفكرة المواطنة، لا أن نعيد إنتاج نفس المنظومات التي همشتنا لعقود.

هذه ليست مجرد رغبة في التغيير، بل دعوة إلى الفعل. إلى أن نعيد تعريف علاقتنا بالوطن، لا كمجرد فضاء نعيش فيه، بل كمشروع نشارك في بنائه. أن نعلم أبناءنا أن الاحتجاج حق، وأن المطالبة بالكرامة ليست جريمة، وأن الصمت ليس فضيلة حين تغتصب الحقوق.

لقد آن الأوان أن نكفر عن صمتنا، لا بالندم، بل بالفعل. أن نصبح صوتا لمن لا صوت له، وأن نمهد الطريق لأبنائنا كي لا يعيشوا ما عشناه، بل ما حلمنا به.

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.