المليوي يكتب: استقلالية مهنة المحاماة بين القانون الحالي ومشروع القانون 66.23 … قراءة سريعة في المواد والمسطرة.

إشراقة نيوز: الدكتور هشام المليوي

لم تكن مواكبتي لمشروع قانون المحاماة مجرد انشغال عابر بنص مهني يهم فئة مخصوصة من رجال الدفاع، بل هي في العمق امتداد لغواية قديمة تمارسها هذه المهنة على كل مشتغل بالقانون. فالمحاماة، بما تحمله من رمزية الدفاع، وجرأة المرافعة، وارتباط وثيق بفكرة العدالة، تظل من أكثر المهن القانونية قدرة على إثارة السؤال والجدل والتأمل. ومن موقعي كأستاذ للقانون، لا أنظر إلى التشريع المنظم لها باعتباره تنظيما قطاعيا محدود الأثر، بل باعتباره نصا كاشفا عن موقع الدفاع داخل منظومة العدالة، وعن درجة الوفاء لمبدأ المحاكمة العادلة، وعن طبيعة العلاقة بين المهنة الحرة والسلطة العامة.

إن غواية المحاماة لا تكمن فقط في بلاغة المرافعة أو في حضور المحامي داخل قاعة الجلسات، وإنما تكمن أساسا في كونها مهنة تقف في منطقة دقيقة بين الحرية والمسؤولية، بين الاستقلال والمحاسبة، وبين واجب الدفاع ومتطلبات النظام القضائي. لذلك فإن كل تعديل يمس قانون المحاماة لا يمكن أن يقرأ قراءة تقنية محضة، بل ينبغي أن يخضع لتحليل قانوني ومؤسساتي دقيق، لأن الأمر يتعلق بمهنة لا تدافع عن مصالح أصحابها فقط، بل تسهم في حماية حقوق المتقاضين وضمان توازن العدالة.

ومن هذا المنطلق، تفرض دراسة مشروع قانون المحاماة نفسها كضرورة علمية ومهنية، خاصة حين يتعلق الأمر بالمقتضيات التي قد تؤثر في استقلالية المهنة، سواء من خلال شروط الولوج إليها، أو آليات التأديب، أو حدود تدخل الوكيل العام للملك، أو مسطرة مراقبة مكاتب المحامين، أو الطعن في النظام الداخلي للهيئات. فاستقلال المحاماة ليس امتيازا مهنيا، بل هو ضمانة قانونية للمتقاضي، وشرط من شروط الدفاع الفعال، ومؤشر على سلامة البناء القضائي برمته.

ينص القانون الحالي رقم 28.08 في المادة 1 على ان المحاماة مهنة حرة، مستقلة، تساعد القضاء وتساهم في تحقيق العدالة، ويؤكد في المادة 3 ان المحامي يتقيد في سلوكه المهني بمبادئ الاستقلال والتجرد والنزاهة والكرامة والشرف، كما تنص المادة 4 على ان كل هيئة للمحامين تتمتع بالشخصية المدنية والاستقلال المالي.

اما مشروع القانون رقم 66.23، فيحافظ في المادة 1 على نفس الاعلان العام، اذ يعتبر المحاماة مهنة حرة ومستقلة، تمارس وفق مقتضيات القانون والنصوص المتخذة لتطبيقه والاتفاقيات الدولية ذات الصلة. كما تنص المادة 4 من المشروع على تقيد المحامي بمبادئ الحرية والاستقلال والتجرد والنزاهة والكرامة والمروءة والشرف، وتنص المادة 115 على تمتع كل هيئة بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي.

لكن الاشكال لا يوجد في المبادئ المعلنة، بل في المقتضيات المسطرية التي تحدد كيفية ممارسة الرقابة والتاديب والطعن والتنفيذ. فقد يكون النص في مقدمته مؤيدا لاستقلال المحاماة، ثم تأتي بعض مواده لتوسيع تدخل جهات خارجية في الحياة المهنية للهيئة. ومن هنا تنبع اهمية تحليل المواد بدقة، بعيدا عن التعميم.

استقلال المحاماة بين المبدأ والممارسة

لا يمكن القول ان مشروع القانون ينكر استقلال مهنة المحاماة، لانه يقر بذلك صراحة في المادة 1. ارتفعت بعض الاصوات التي استهجنت تدخل الوكيل العام في المسار التأديبي، لا يمكن القول ان القانون الحالي كان يمنع اي تدخل للوكيل العام للملك في شؤون المهنة، لان هذا غير صحيح. فالقانون الحالي نفسه كان يمنح الوكيل العام ادوارا متعددة، خاصة في التبليغ، والطعن، وملتمسات البطلان، وبعض جوانب المسطرة التأديبية.

اذن، النقاش القانوني الدقيق لا يجب ان يكون حول وجود الوكيل العام من عدمه، بل حول طبيعة هذا الوجود وحدوده. هل يتعلق الامر برقابة لاحقة ومحددة على مشروعية قرارات الهيئة؟ ام يتحول الى حضور ممتد في النظام الداخلي، والتأديب، وتنفيذ العقوبات، ومراقبة المكاتب؟

الاستقلالية المهنية لا تعني غياب الرقابة، ولا تعني ان المحامي او الهيئة فوق القانون. لكنها تعني ان الرقابة يجب ان تبقى محددة، قضائية، لاحقة، ومحصورة في المشروعية، لا ان تتحول الى وسيلة للتأثير في التدبير الذاتي للمهنة.

الولوج الى المهنة ومعهد تكوين المحامين

ينص القانون الحالي في المادة 5 على شروط الولوج الى مهنة المحاماة، ومن بينها الحصول على الاجازة في العلوم القانونية، وشهادة الاهلية لممارسة المهنة، وعدم تجاوز سن 45 سنة بالنسبة لغير المعفيين من التمرين. كما تنص المادة 6 على شهادة لمزاولة المهنة من طرف مؤسسة للتكوين تحدث وتسير وفق الشروط التي ستحدد بنص تنظيمي، مع استمرار وزارة العدل في تنظيم امتحان شهادة الاهلية الى حين دخول النص التنظيمي حيز التنفيذ.

اما مشروع القانون، فيغير فلسفة الولوج الى المهنة. فالمادة 5 منه تشترط في المترشح ان يكون حاصلا على شهادة الماستر او ما يعادلها، والا يتجاوز 50 سنة في تاريخ اجراء مباراة ولوج معهد تكوين المحامين، وان يجتاز بنجاح المباراة، ويقضي فترة التكوين، ويحصل على شهادة الكفاءة، ثم يقضي فترة التمرين.

وتنص المادة 11 من المشروع على ان نظام وكيفية اجراء مباراة ولوج المعهد وكيفية قضاء فترة التكوين تحدد بقرار للسلطة الحكومية المكلفة بالعدل.

من حيث المبدأ، رفع جودة التكوين امر ايجابي، لان المحاماة تحتاج الى تأهيل قانوني ومسطري واخلاقي رصين. لكن نقطة الضعف تظهر في جعل تفاصيل الولوج والتكوين مرتبطة بقرار السلطة الحكومية المكلفة بالعدل، دون التنصيص بشكل واضح وقوي على دور حاسم لهيئات المحامين في حكامة المعهد، وبرامج التكوين، وشروط المباراة.

فاذا كانت المحاماة مهنة حرة ومستقلة، فمن غير السليم ان يصبح مدخلها الاساسي خاضعا بشكل واسع للسلطة التنفيذية. المطلوب ليس اقصاء وزارة العدل، بل ضمان توازن مؤسساتي يجعل المهنة شريكا مقررا في التكوين، لا مجرد طرف يحضر او يستشار.

مراقبة مكتب المحامي في المادة 74 من المشروع

تعد المادة 74 من مشروع القانون من المواد الحساسة. فهي تنص على ان النقيب او من ينتدبه من اعضاء مجلس الهيئة يقوم، تلقائيا او بناء على طلب الوكيل العام للملك المختص، مرة واحدة في السنة على الاقل، بمراقبة مكتب المحامي، والتأكد من مدى احترامه للنصوص التشريعية والتنظيمية المنظمة للمهنة، والتحقق من وضعية الودائع لديه ومن كون حساباته ممسوكة بكيفية منتظمة. كما توجب على النقيب اشعار الوكيل العام للملك والمحامي المعني بنتائج المراقبة.

هذه المادة تحمل وجها ايجابيا، يتمثل في حماية اموال الموكلين، وضبط الودائع، والرفع من شفافية الحسابات المهنية. فاستقلال المحاماة لا يمكن ان يكون غطاء لسوء تدبير الودائع او الاخلال بالتزامات المحامي المالية تجاه موكليه.

لكن نقطة الضعف تكمن في اتساع عبارة “مراقبة مكتب المحامي والتأكد من مدى احترامه للنصوص التشريعية والتنظيمية المنظمة للمهنة”. فمكتب المحامي ليس مقرا تجاريا عاديا، بل هو فضاء للسر المهني، وملفات الدفاع، ومراسلات الموكلين، واستراتيجية التقاضي. لذلك كان يجب على المشروع ان ينص صراحة على ان هذه المراقبة لا يجوز ان تمتد الى مضمون الملفات او المراسلات او المعطيات المحمية بالسر المهني، وانها تنحصر في الحسابات والودائع والجوانب المهنية القابلة للمراقبة.

وبدون هذا التقييد، قد تتحول مراقبة الودائع، وهي مشروعة في اصلها، الى مدخل قد يمس بالسر المهني وباستقلال الدفاع.

حصانة الدفاع بين المادة 58 من القانون الحالي والمادة 77 من المشروع

ينص القانون الحالي في المادة 58 على ان للمحامي ان يسلك الطريقة التي يراها ناجعة طبقا لاصول المهنة في الدفاع عن موكله، وانه لا يسأل عما يرد في مرافعاته الشفوية او مذكراته مما يستلزمه حق الدفاع. كما لا يمكن اعتقال المحامي بسبب ما قد ينسب له من قذف او سب او اهانة من خلال اقوال او كتابات صدرت عنه اثناء ممارسة المهنة او بسببها. وتحرر المحكمة محضرا بما قد يحدث من اخلال، وتحيله على النقيب وعلى الوكيل العام للملك لاتخاذ ما قد يكون لازما.

اما المادة 77 من المشروع، فتحافظ على القاعدة العامة نفسها، اذ تنص على ان للمحامي ان يسلك الطريقة التي يراها ناجعة للدفاع عن موكله، وعلى انه لا يسأل عما يرد في مرافعاته او مذكراته مما يستلزمه الحق في الدفاع، ولا يمكن اعتقاله بسبب اقوال او كتابات صدرت عنه اثناء ممارسة مهامه.

لكن المشروع يضيف مسطرة اكثر تفصيلا: اذا وقع سب او قذف او اهانة او اخلال بالسير العادي للجلسة، تحرر المحكمة محضرا مستقلا وتحيله الى النقيب والوكيل العام للملك، ويجب على النقيب اتخاذ قرار داخل اجل اقصاه 15 يوما، واذا لم يتخذ اي قرار داخل هذا الاجل، احال الوكيل العام القضية الى غرفة المشورة للبت فيها.

نقطة الضعف هنا لا تتعلق بمبدأ مساءلة المحامي عند وجود تجاوز حقيقي، لان حصانة الدفاع ليست حصانة للسب او القذف. لكنها تتعلق بسرعة الاجل، وامكانية نقل الملف الى غرفة المشورة اذا لم يتخذ النقيب قرارا داخل 15 يوما. فهذا قد يخلق ضغطا على النقيب، وقد يجعل حوادث الجلسات مدخلا لمسطرة سريعة قد تؤثر على حرية المرافعة.

الأفضل هو الابقاء على حصانة الدفاع كقاعدة قوية، مع مساءلة المحامي عند وجود افعال منفصلة بوضوح عن متطلبات الدفاع، على ان تبقى الهيئة المهنية هي الاصل في التقدير التأديبي، مع رقابة قضائية لاحقة.

الاستماع الى المحامي وتفتيش مكتبه بين المادة 59 والمادة 78

تنص المادة 59 من القانون الحالي على انه لا يمكن اعتقال المحامي او وضعه تحت الحراسة النظرية الا بعد اشعار النقيب، ويستمع اليه بحضور النقيب او من ينتدبه لذلك. كما لا يجرى اي بحث مع المحامي او تفتيش لمكتبه من اجل جناية او جنحة ذات صلة بالمهنة الا من طرف النيابة العامة او قاضي التحقيق وفق المقتضيات ذاتها.

اما المادة 78 من المشروع، فتنص على وجوب اشعار نقيب هيئة المحامين الواقعة ضمن الدائرة القضائية لمحكمة الاستئناف حيث وقع الاعتقال، وذلك بجميع الوسائل المتاحة. واذا كان الاعتقال لسبب مرتبط بممارسة المهنة، لا يتم الاستماع الى المحامي الا من طرف النيابة العامة بحضور النقيب او من ينتدبه. كما تنص على انه اذا تعذر اشعار النقيب، ضمن ذلك في المحضر مع بيان شكليات الاتصال، واذا لم يحضر النقيب او من انتدبه رغم الاشعار، امكن الاستماع الى المحامي دون حضوره.

هذه المادة تتضمن مقتضى ايجابيا مهما، يتمثل في التنصيص على ان الابحاث والاجراءات لا يمكن ان تمس بسرية المحادثات والمراسلات بين الموكل والمحامي، وان كل اجراء تم خلافا لمقتضيات المادة يعتبر باطلا وعديم الاثر.

لكن نقطة الضعف هي السماح بالاستماع الى المحامي دون حضور النقيب او من ينتدبه اذا لم يحضر رغم الاشعار. فحضور النقيب ليس شكلا اداريا، بل ضمانة مهنية. لذلك كان من الافضل تحديد اجل انتظار معقول، وتدقيق وسيلة الاشعار، والتنصيص على ان الاستماع دون حضور النقيب لا يتم الا في حالات الضرورة، مع تعليل خاص في المحضر وخضوع ذلك لرقابة قضائية لاحقة.

المنع المؤقت من ممارسة المهنة بين المادة 66 والمادة 97

تنص المادة 66 من القانون الحالي على انه يمكن لمجلس الهيئة، ولاسباب مهنية، عند اجراء متابعة زجرية ضد اي محام، ان يصدر في حالة الضرورة القصوى مقررا معللا بمنع هذا المحامي من ممارسة المهنة مؤقتا. ويتخذ المجلس هذا المقرر تلقائيا او بطلب من النقيب او الوكيل العام للملك، بالاغلبية المطلقة لاعضائه. كما لا يمكن ان تتجاوز مدة المنع المؤقت سنة كاملة ما لم يكن المعني بالامر معتقلا.

اما المادة 97 من مشروع القانون، فتنص على انه في حالة متابعة محام زجريا، يمكن لمجلس الهيئة ان يصدر قرارا معللا بمنعه من ممارسة المهنة مؤقتا، بناء على طلب النقيب او الوكيل العام للملك المختص. وينفذ القرار رغم كل طعن، ويمكن رفع المنع لاسباب جديدة تتسم بالجدية، وينتهي مفعوله بمجرد صدور مقرر ببراءة المحامي ولو ابتدائيا، دون المساس بالمساءلة التأديبية. كما يجب على مجلس الهيئة ان يبت في المتابعة التأديبية داخل اجل شهرين من تاريخ تبليغه بالمقرر القضائي النهائي، والا رفع المنع بقوة القانون، ولا يمكن ان تتجاوز مدة المنع سنة ما لم يكن المعني بالامر معتقلا.

الفرق الجوهري هنا هو ان القانون الحالي يستعمل عبارة “حالة الضرورة القصوى”، بينما المادة 97 من المشروع لا توردها بنفس الصيغة. وهذا فرق مهم، لان المنع المؤقت من ممارسة المهنة اجراء خطير، يمس مورد عيش المحامي، وسمعته، وحقوق موكليه، وقد يتحول عمليا الى عقوبة قبل الادانة.

لذلك، من زاوية استقلالية المهنة، كان يجب الاحتفاظ بشرط الضرورة القصوى، او على الاقل التنصيص على وجود خطر جدي على الموكلين او على حسن سير العدالة، مع تعليل خاص ومفصل.

المسطرة التأديبية بين المادة 67 والمادة 98.

{وهذه في نظرنا ، النقطة الاكثر حساسية في المشروع}.

في القانون الحالي، تنص المادة 67 على ان الشكايات المرفوعة مباشرة لمجلس الهيئة او المحالة من الوكيل العام للملك تحال على النقيب، اذا كانت موجهة ضد محام وتتعلق بمخالفة النصوص القانونية او التنظيمية او قواعد المهنة او اعرافها او اي اخلال بالمروءة والشرف. ويتخذ النقيب مقررا بالحفظ او المتابعة داخل اجل ثلاثة اشهر، والا اعتبر قراره ضمنيا بالحفظ. وللوكيل العام للملك وحده ان يطعن في قرار الحفظ الصادر عن النقيب، صراحة او ضمنا، بعد تبليغه. واذا الغت محكمة الاستئناف مقرر النقيب بالحفظ، تحيل الملف وجوبا من جديد على مجلس الهيئة لمواصلة اجراءات المتابعة.

هذه الصيغة تجعل مجلس الهيئة هو المركز الاصلي للمسطرة التأديبية. فالوكيل العام يملك حق الطعن، والمحكمة تراقب، لكن الملف يعود في النهاية الى مجلس الهيئة.

اما المادة 98 من المشروع، فتغير هذا التوازن. فهي تقلص اجل النقيب من ثلاثة اشهر الى شهر واحد. واذا لم يتخذ النقيب قرارا صريحا داخل هذا الاجل، اعتبر ذلك قرارا ضمنيا بالحفظ، ويحيل النقيب فورا ملف الشكاية الى الوكيل العام للملك، الذي يمكنه اتخاذ قرار بالمتابعة، مع تكييف الوقائع، واحالته الى غرفة المشورة بمحكمة الاستئناف.

وتمنح المادة 98 ايضا للوكيل العام حق المنازعة في قرار الحفظ الصريح امام مجلس الهيئة، بواسطة مذكرة تتضمن تكييفه للوقائع، وعلى المجلس ان يبت في المنازعة داخل اجل ثلاثة اشهر. واذا لم يبت المجلس داخل الاجل، احيل الملف بقوة القانون الى غرفة المشورة. والاهم من ذلك ان المادة تنص على انه اذا الغت غرفة المشورة قرار الحفظ الصريح الصادر عن النقيب، وجب عليها التصدي والبت في الموضوع.

هذا المقتضى هو اقوى موضع للنقد. فالقانون الحالي كان ينص على رجوع الملف الى مجلس الهيئة بعد الغاء قرار الحفظ، اما المشروع فيسمح لغرفة المشورة، في حالة معينة، بالتصدي والبت في الموضوع. وهذا يعني انتقال جزء حساس من التأديب من منطق التنظيم الذاتي المهني الى منطق قضائي مباشر.

لا يتعلق النقد هنا برفض الرقابة القضائية، بل برفض تحويل الرقابة الى بديل عن المجلس المهني. فالتأديب المهني يجب ان يبقى اصلا بيد الهيئة، مع ضمان الطعن والمراقبة القضائية. اما التصدي والبت من طرف غرفة المشورة فقد يضعف استقلالية التأديب المهني، خاصة اذا كان الخلاف مرتبطا بتقدير مهني دقيق.

تنفيذ العقوبات التأديبية بين المادة 71 والمادة 103

تنص المادة 71 من القانون الحالي على ان المحامي الموقوف او المشطب عليه يتعين عليه، بمجرد ما يصبح المقرر قابلا للتنفيذ، ان يتخلى عن ممارسة اي عمل من اعمال المهنة، وان النقيب يستدعيه ويشعره بوجوب تنفيذ المقرر، ويمنحه اجلا لا يتعدى شهرا. وفي حالة عدم التنفيذ الطوعي، يعين النقيب تاريخ الانتقال الى المكتب والسهر على التنفيذ، ويمكنه الاستعانة بالنيابة العامة.

اما المادة 103 من المشروع، فتنص على ان النقيب يتخذ الاجراءات اللازمة لتنفيذ القرارات التأديبية داخل اجل لا يتعدى 15 يوما من تاريخ صيرورتها قابلة للتنفيذ. وفي حالة الامتناع عن التنفيذ الطوعي، يحدد النقيب داخل اجل لا يتعدى 48 ساعة تاريخ الانتقال الى مكتب المحامي للسهر على التنفيذ مع امكانية الاستعانة بالنيابة العامة. واذا لم يتخذ النقيب الاجراءات اللازمة داخل الاجل المحدد، باشر الوكيل العام للملك اجراءات التنفيذ بعد تبليغ النقيب بتاريخ وساعة الاجراء.

هنا يظهر فرق واضح. في القانون الحالي، النيابة العامة تساعد النقيب عند الحاجة. اما في المشروع، فالوكيل العام يمكن ان يباشر التنفيذ اذا لم يتحرك النقيب داخل الاجل. وهذا انتقال من المساعدة الى الحلول محل النقيب.

من زاوية استقلال المهنة، يمكن تفهم ضرورة منع تعطيل تنفيذ العقوبات النهائية، لكن مباشرة الوكيل العام لاجراءات التنفيذ داخل مكتب محام تظل مسألة حساسة بسبب السر المهني وحقوق الموكلين. كان من الافضل ان يتم اللجوء الى غرفة المشورة لاستصدار امر بالتنفيذ عند تقاعس النقيب، بدل منح الوكيل العام سلطة مباشرة في هذا المجال.

متابعة النقيب الممارس بين المادة 72 والمادة 104

تنص المادة 72 من القانون الحالي على ان المتابعات تقدم مباشرة ضد النقيب الممارس الى محكمة الاستئناف غير تلك التي توجد الهيئة بدائرتها، وذلك من لدن الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، تلقائيا او تبعا لشكاية توصل بها.

اما المادة 104 من المشروع، فتنص على ان المتابعة التأديبية تحرك، تلقائيا او بناء على شكاية، امام غرفة المشورة في مواجهة نقيب ممارس من طرف الوكيل العام للملك لدى محكمة استئناف غير تلك التي تتبع لها الهيئة المسجل بها المعني بالامر، يعين من لدن الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض. وتبت غرفة المشورة في موضوع المتابعة طبقا للتشريع الجاري به العمل.

اذن، مساءلة النقيب لم تظهر لاول مرة في المشروع، لان القانون الحالي يتضمنها في المادة 72. غير ان الاشكال يظل مرتبطا بحساسية مركز النقيب، باعتباره ممثل الهيئة ورمز استقلالها. لذلك ينبغي ان تكون مساءلته محاطة بضمانات قوية، حتى لا تتحول امكانية المتابعة الى عامل ضغط على مؤسسة النقيب عند اتخاذ مواقف مهنية دفاعا عن استقلال المحامين.

النظام الداخلي بين المادة 91 من القانون الحالي والمادة 121 من المشروع

تنص المادة 91 من القانون الحالي على ان مجلس الهيئة يختص، ضمن مهامه، بوضع النظام الداخلي للهيئة وتعديله وفق ما يتطلبه تطبيق قواعد المهنة وتقاليدها واعرافها، مع تبليغه الى الرئيس الاول لمحكمة الاستئناف والوكيل العام للملك، وايداع نسخة منه بكتابة الهيئة وكتابة ضبط محكمة الاستئناف.

وتنص المادة 92 من القانون الحالي على ان المداولات او المقررات التي تتخذها الجمعية العامة او مجلس الهيئة خارج نطاق اختصاصهما، او خلافا للمقتضيات القانونية، او بما يخل بالنظام العام، تعتبر باطلة بحكم القانون، وتعاين محكمة الاستئناف هذا البطلان بناء على ملتمس من الوكيل العام للملك بعد الاستماع الى النقيب او من يمثله.

اما المادة 121 من مشروع القانون، فتنص على ان مجلس الهيئة يضع نظاما داخليا يحدد كيفيات سيره وممارسة مهامه، وكذا كيفيات تدبير حساب ودائع واداءات المحامين. ويصادق عليه باغلبية اعضاء مجلس الهيئة، ثم يحيله النقيب الى الرئيس الاول لمحكمة الاستئناف والوكيل العام للملك لديها. ويخضع كل تعديل للاجراءات نفسها. وتضيف المادة انه يمكن للوكيل العام للملك الطعن في النظام الداخلي للهيئة وفي التعديلات التي تطرأ عليه امام غرفة المشورة داخل اجل 15 يوما من تاريخ التوصل به.

الدقة هنا ضرورية: القانون الحالي كان ينص على تبليغ النظام الداخلي للوكيل العام، وكان يتيح له ملتمس البطلان ضد المداولات او المقررات المخالفة للقانون او النظام العام. لكن المشروع يضيف حقا صريحا للطعن في النظام الداخلي نفسه وتعديلاته داخل اجل محدد.

هذه الاضافة تثير اشكالا لان النظام الداخلي هو اداة التنظيم الذاتي للهيئة. واذا كان من المقبول ان يخضع لمراقبة المشروعية، فان الطعن فيه يجب ان يكون محصورا في مخالفة صريحة للقانون او النظام العام، لا ان يتحول الى رقابة واسعة على اختيارات مهنية داخلية.

بطلان قرارات الهيئة والتبليغ والطعون في المواد 137 الى 140.

تنص المادة 137 من المشروع على ان القرارات التي تتخذها اجهزة مجلس هيئة المحامين خارج نطاق اختصاصاتها، او التي تشكل مخالفة للقوانين الجاري بها العمل او اخلالا بالنظام العام، تعتبر باطلة بقوة القانون، وتعاين غرفة المشورة بمحكمة الاستئناف المختصة هذا البطلان بناء على ملتمس من الوكيل العام للملك، بعد الاستماع للنقيب او من ينوب عنه.

هذه المادة قريبة في فلسفتها من المادة 92 من القانون الحالي، لذلك لا تمثل في حد ذاتها قطيعة كبيرة. لكن يجب قراءتها مع باقي المواد التي توسع حضور الوكيل العام في المشروع، خاصة المادة 121 والمادة 98 والمادة 103.

وتنص المادة 138 من المشروع على تبليغ قرارات مجلس الهيئة وقرارات النقيب الى الوكيل العام للملك عن طريق كتابة النيابة العامة، كما تنظم تبليغها الى المحامي المعني. وتنص المادة 139 على اختصاص غرفة المشورة بالبت في الطعون ضد قرارات مجلس الهيئة وقرارات النقيب، بعد استدعاء النقيب وباقي الاطراف وتلقي الملتمسات الكتابية للوكيل العام. اما المادة 140 فتنص على الطعن بالتعرض والنقض في قرارات غرفة المشورة وفق قانون المسطرة المدنية، مع اعفاء الطعون المرفوعة من النقيب او الوكيل العام من الرسوم القضائية، وامكانية امر محكمة النقض، استثناء، بايقاف تنفيذ المقررات المطعون فيها المتعلقة بالتوقيف او التشطيب.

هذه المواد لا يجب تحليلها منفردة، بل ضمن توجه عام في المشروع يعطي لغرفة المشورة وللوكيل العام مكانة اوسع في مراقبة قرارات الهيئة. من حيث المبدأ، الرقابة القضائية مطلوبة. لكن المشكل يظهر عندما تصبح الرقابة القضائية، في بعض الحالات، بديلا عن القرار المهني الداخلي، كما يظهر بوضوح في المادة 98.

مشروع القانون رقم 66.23 لا ينكر استقلال مهنة المحاماة من حيث المبدأ، بل يكرسه في المادة 1، كما يقر باستقلال الهيئات ماليا واعتباريا في المادة 115. غير ان الاشكال الحقيقي يكمن في بعض المقتضيات المسطرية التي قد تؤثر على هذا الاستقلال، خاصة المواد 74 و77 و78 و97 و98 و103 و104 و121 و137 الى 140.

وتبقى المادة 98 هي اخطر مادة من زاوية استقلالية المهنة، لانها تنقل، في حالات معينة، المسطرة التأديبية من منطق رقابة القضاء على قرار الهيئة الى امكانية تصدي غرفة المشورة والبت في الموضوع، وهو ما قد يمس بجوهر التنظيم الذاتي للتأديب المهني.

لذلك، فان المدخل الاصلاحي السليم لا يتمثل في رفض التحديث، بل في اعادة ضبط التوازن بين الرقابة والاستقلال. فالمحاماة تحتاج الى تكوين قوي، وتدبير مالي شفاف، وتأديب فعال، ورقمنة حديثة، لكنها تحتاج قبل ذلك الى ضمان استقلال الدفاع. لان استقلال المحامي ليس امتيازا مهنيا، بل هو ضمانة للمتقاضي، وشرط من شروط المحاكمة العادلة.

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.