سهام السميدي تكتب: ماهية اللسانيات و فروعها

 

إعداد   الطالبة، سهام السميدي

كلية الآداب والعلوم الإنسانية

جامعة ابن طفيل القنيطرة

ملخص:

يتناول هذا المقال دراسة حول اللسانيات وفروعها ومراحل تطورها عبر العصور، كخطوة مهمة نتعرف من خلالها على مدى تطور هذا العلم وأحدث ما توصل إليه، حيث سنتطرق أولا إلى التعريف باللسانيات بصفة عامة ونرصد بعدها أهم الفروع التي انبثقت عنها، ثم إبراز أهم الاختلافات بين ما يعرف باللسانيات النظرية واللسانيات التطبيقية، والتي سيتم التعريف بها وبمجال تخصصها في ثنايا هذا المقال.

المصطلحات المفتاحية:

اللسانيات، البراغماتية، اللسانيات الموسعة، اللسانيات المضيقة، الصرف، الصواتة.

مقدمة:  

لقد شهدت علوم اللغة حركات نهوض وتجديد بعد عقود، ولا شك في أن ظهور اللسانيات أو علم اللغة (linguistique) كان عاملا من عوامل الانبعاث والتطور، فاللسانيات علم يبحث في اللغة من جميع جوانبها الصوتية والصرفية والنحوية واللفظية والدلالية والنفسية والاجتماعية والمعجمية والتطبيقية، كما أنها “علم يدرس اللغات الطبيعية الإنسانية ذاتها ولذاتها سواء كانت هذه اللغات مكتوبة أو منطوقة مع إعطاء أهمية إلى هذه الأخيرة لأنها مادة خام تساعد أكثر في التحقق من مدى فعالية أدوات بحث اللساني المعاصر، ودلالتها لم تنل بعدما تستحقه من العناية والدرس. ويهدف هذا العلم أساسا إلى وصف وتفسير أبنية هذه اللغات واستخراج القواعد العامة المشتركة بينها، والقواعد الخاصة التي تضبط العلاقات بين العناصر المؤلفة لكل لغة على حدة.

 

1: نشأة اللسانيات وتطورها:

لقد أطلق العرب المحدثون على هذا العلم الجديد عدة أسماء منها (اللسانيات واللسنيات والألسنية بالإضافة إلى علم اللغة وفقه اللغة ) وهذه الألفاظ مترادفة فيما بينه، باعتباره العلم الذي يقوم على الوصف “فلا يهتم اللساني إلا بوصف الأحداث اللسانية وتحليلها كما تتحقق في الواقع وليس الحال التي يريدها هو أن تكون عليه وهو يطمح بصنيعه هذا إلى أن يرقى بدراسته إلى درجة الدراسة العلمية المتسمة بالموضوعية والمنهجية الدقيقة والمضبوطة.”[1] كما أنها تدرس اللهجات وتسعى إلى إيجاد نظرية لسانية شاملة يمكن من خلالها وصف لغات العالم ودراستها. وفي هذا الصدد يرى جورج مونان بأن “تاريخ نشأة اللسانيات يحدد بحسب نظرة الباحث إليها فمن الممكن أن يقال إنها نشأت في القرن الخامس قبل الميلاد مع بانيني أو في سنة 1816 مع بوب أو سنة 1916 مع سوسير أو سنة 1926 مع تروباتسكوي أو في سنة 1956 مع شومسكي.”[2]

ويقر عبد الرحمان الحاج صالح بوحاجة هذا القول الذي لا تنقصه إلا”نظرة الباحث الذي اطلع على ما أنتجه العلماء العرب القدامى في هذا الميدان إذ ربما تفضي نظرته إلى اللسانيات وإطلاعه على علوم العربية إلى أن يجعل مبدأ انطلاقه الدراسة العلمية للسان في القرن الثاني للهجرة.وبالأصح مابين 100ه و 175ه سنة وفاة الخليل بن أحمد الفراهدي وكل وجهات النظر هذه تظهر لنا حجم الاختلاف بشأن تاريخ ظهور هذا العلم إلى الوجود.[3]

أما احمد قدور فيرى أن “اللسانيات هي العلم الذي يدرس اللغة الانسانية دراسة علمية تقوم على الوصف ومعاينة الوقائع بعيدا عن النزعة التعليمية والأحكام المعيارية”. وكلمة “علم” الواردة في هذا التعريف تدل على ضرورة الاعتماد على طرائق منهجية والانطلاق من مرتكزات موضوعية لأن الدراسة العلمية تقتضي هذه الأسس من أجل  التحقق منها وإثباتها وتمييز هذه الدراسة عن غيرها.

ومن مسلمات اللساني اعتبار اللغة نظاما أي بنيات مؤلفة من مجموعة من العناصر تشتغل حسب مجموعة من القوانين المضبوطة، التي تحافظ على انسجام وتماسك هذه العناصر وتحقق التكامل والاستقلال الداخلي للنظام ككل وتضمن له الاكتفاء الذاتي  وهكذا تتصف البنيات اللغوية بالكلية وبالتحويلية. حيث يوجد عند اللساني اقتناع مسبق بأن اللغة بنيات داخلية لا يمكن صهر بعضها في بعض أو إنابة بعضها عن البعض الأخر بل هي تنظيم ضمن نظام عام هو اللغة.

كما أن اللسانيات الحديثة مختلفة تمام الاختلاف عن الأنحاء التقليدية التي لا تهتم إلا باللغات المكتوبة، ويغلب عليها الطابع المعياري وتتميز بتجزيء وتفتيت القضايا اللغوية وبحث الأجزاء بمعزل عن النظام العام ودون أخذه بعين الاعتبار لانعدام الوعي الكامل بهذا النظام عند النحاة القدامى والتقليديين غربيين كانوا أم شرقيين، فالنحاة الهنود مثل بانيني (panini) واليونان مثل دوني دوطسراس Dethace واللاتينيون وكذا العرب وغيرهم  كان همهم الأول هو وصف اللغة واستخراج قواعدها خدمة للنصوص المقدسة أي تفسيرها والحفاظ على لغاتها من اللحن والدخيل1.

وعموما فإن علم اللغة يهتم بدراسة اللغة بوصفها نظاما للاتصال بين البشر،”وبالرغم من أن دراسات الظواهر اللغوية قد تم إجراءها على مدى قرون فقد بدأ مؤخرا نسبيا قبول علم اللغة بوصفه علما قائما بذاته.”2 بحيث يشمل الآن مجالا واسعا ذا مداخل ومجالات بحث مختلفة، مثل النظم الصوتية، علم الأصوات وعلم الفونيمات وعلم التركيب وعلم الدلالة والبراغماتية ووظائف اللغة. بالإضافة إلى أن اللسانيات المعاصرة تتفرع إلى عدة مدارس أشهرها المدرسة التوزيعية والوظيفية والتوليدية، كما أنها تعرف تخصصات متنوعة فاللسانيون يدرسون اللغة من جوانب مختلفة وفقا لأغراضهم المتنوعة واهتماماتهم المختلفة مما نتج عنه نشأة فروع مختلفة للسانيات فماهي أهم هذه الفروع:

2- اللسانيات العامة واللسانيات الوصفية :

يفرق اللسانيون بين ما يعرف عندهم باللسانيات العامة general linguistics واللسانيات الوصفية dexriptive linguistics، “ويعنى الأول بدراسة اللغة من حيث هي بوصفها ظاهرة بشرية تميز الإنسان عن الحيوان، ونظاما يتميز عن الأنظمة الإبداعية  الأخرى”1، في حين يتناول الثاني “دراسة اللغة كما هي مستعملة في مكان معين وزمان معين كوصف لغة ما كالعربية في فترة زمنية معينة. وللمدخل الوصفي لدراسة اللغات صلة بالعلوم السلوكية، وفي الولايات المتحدة نشأ من البحث الميداني في علم الأنثروبولوجيا الثقافية، ويهتم بتحليل اللغات المحكية أو المنطوقة فقط، أي تلك التي ليس لها نظام كتابي بعد، وبصفة خاصة تركيبها ومن ثم فقد أطلق عليه بعض علماء اللغة اسم علم اللغة التركيبي أو علم اللغة البنيوي”2.

ويستفيد كلا الفرعين من النتائج التي يصل إليها الآخر”فاللسانيات العامة تقدم المفاهيم والمقولات categories التي تحلل بها اللغات المعينة في حين تقدم اللسانيات الوصفية المادة التي تؤيد، أو تدحض القضايا والنظريات التي تتناولها اللسانيات العامة وعلى سبيل المثال فقد يفترض المتخصص في اللسانيات العامة أن كل اللغات تحتوي على أسماء  وأفعال فيقوم المتخصص في اللسانيات الوصفية بدحض ذلك بدليل عملي empirical مفاده، أن ثمة لغة واحدة على الأقل لا يمكن أن يثبت وصفها التمييز بين أسماء وأفعال ولكن لكي يؤيد أو يدحض اللساني الوصفي هذا الافتراض، عليه أن يتعامل مع مفهومي الاسم والفعل اللذين زوده بهما المتخصص في اللسانيات العامة، وهكذا فإن الدراسات الوصفية للغات بعينها تؤول إلى صوغ الخصائص العامة التي تشترك فيها جميع اللغات.”3

ويجدر بالذكر هنا، أن نشير إلى تداخل بين اهتمامات اللسانيات الوصفية واهتمامات فقه اللغة philology غير أن أبرز ما يميزهما الاختلاف في المنهج حيث يتبع المهتمون بالمجال الأول منهجا وصفيا تزامنيا يدرس اللغة في مرحلة معينة دون نظر إلى تطوراتها التاريخية في حين يتناول فقهاء اللغة، اللغات المدروسة من الجانبين التاريخي وبما أن اللغات البشرية لها ارتباطاتها الإنسانية والطبيعية المتفرعة كذلك، فإن لعلم اللسانيات فروعا يختص كل منها بناحية جزئية من اللغات وهي كالاتي:

3- اللسانيات النظرية واللسانيات التطبيقية:

علم اللغة ينقسم إلى قسمين بحيث نجد هناك لسانيات نظرية وأخرى تطبيقية، بالنسبة للنوع الأول “اللسانيات النظرية ” : la linguistique théorique تعنى بالبحث في النظريات اللغوية ونماذجها المتفرعة عنها وكيفية معالجتها للبنية اللغوية سواء أكانت تلك النظريات اللغوية في الماضي أم الحاضر كما ترمي إلى صوغ نظرية لبنية اللغة ووظائفها بغض النظر عن التطبيقات العملية التي قد يتضمنها البحث في اللغات،1 وهي مرادفة لمصطلح اللسانيات الميضيقة أو علم اللغة الدقيق Microlinguistics” أي دراسة اللغة ذاتها صوتيا وفونيميا وصرفيا ونحويا ودلاليا ولفظيا دون التعرض لأمور وراء اللغة وهو بهذا يختلف عن علم اللغة الموسع Macrolinguistics (علم اللغة التطبيقي) وبمعنى آخر هو دراسة اللغة نظريا دون إشراك علوم أخرى والتسمية قريبة من علم اللغة النظري أو علم اللغة اللغوي”2… ومن فروع علم اللغة النظري  كما اسلفنا نجد ” علم الأصوات، علم الفونيمات  وعلم اللغة التاريخي، وعلم الدلالة وعلم القواعد الذي يشتمل على الصرف وعلم النحو. أما علم اللغة التطبيقي أواللسانيات التطبيقية فهي مرادفة تقريبا لعلم اللغة الموسع Macrlinguistics “وهو علم يشمل علم اللغة وحركات الجمع التعبيرية ومشكلات السلوك الحضاري ،وبمعنى آخر فهو دراسة اللغة من ناحية لغوية ومن النواحي الاجتماعية والنفسية والتطبيقية، فعلم اللغة التطبيقي إذا يختص بدراسة اللغة وعلم اللغة فيما يتصل بمشكلات عملية مثل صناعة المعاجم والترجمة وعيوب النطق…الخ.

كما “يهتم بالتخطيط اللغوي languge planing وتعلم اللغة بالحاسوب computer-assisted language learning وعلاقة اللغة بالتربية والترجمة والترجمة الآليةmachine – aided translation  واللسانيات الحاسوبية computational linguistics والذكاء الاصطناعي artificial intellegence”  ونحو ذلك .1

ويرى معظم اللغويين أن علم اللغة الموسع هو نقيض لعلم اللغة الدقيق أو المضيق أو المصغر لأنه يهتم بظاهرة اللغة وحدها، أما علم اللغة الموسع التطبيقي، فيضم كل البحوث المتصلة باللغة التي تزيد من معرفتنا بالظواهر الأخرى خارج مجال الحقائق اللغوية البحتة والتي بالرغم من ذلك تكون لها علاقة بعملية الاتصال، وعلى سبيل المثال فإن علم دراسة اللهجات Dialectology في حد ذاته ينتمي إلى علم اللغة الضيق ولكن إذا بدأ عالم دراسة اللهجات في الاهتمام بالدلالات الكلامية للمتكلم التي يحددها مستواه الثقافي، فإن البحث يصبح مختلفا في نوعيته ،وينتقل إلى مجال علم اللغة الموسع.1

وكذلك تعنى اللسانيات التطبيقية بتعليم اللغات الأجنبية وتعلمها، بحيث يحرص اللسانيون التطبيقيون على الكفاية التخاطبية للمتكلمين التي تتحسن بقدر إقحام المتكلم نفسه في المواقف التخاطبية الفعلية للغة المتعلمة، ومن العلوم المتفرعة عن اللسانيات النظرية ما يلي:

4- اللسانيات النظرية أو المضيقة:

أ – اللسانيات التاريخية:

هي فرع يدرس التطورات التي حدثت للغة ما عبر فترة من الزمن ويدعى historical linguistics ، وهو يقابل علم اللغة الوصفي الذي يصف اللغة كما هي مستخدمة في فترة زمنية معينة ومن أمثلة الموضوعات التي يهتم بها دراسة الجوانب الصوتية والصرفية والنحوية والدلالية واللفظية للغة، ما عبر العصور التاريخية المختلفة وعلم اللغة التاريخي هو فرع من علم اللغة الذي يصف التغيرات التي تمر بها لغة ما عبر القرون، ويقتضي أثر العلاقات بين اللغات والأسر اللغوية التي تنتمي إليها هذه اللغات2 .

ولقد “اتسم البحث اللغوي في القرن التاسع عشر بالطابع التاريخي الذي يتناول تطور اللغة عبر العصور وقد شاع آنذاك النظر إلى اللغة على أنها كائن حي كالنباتات والحيوانات، متأثرين في ذلك بنظرية التطور في علم الأحياء التي صاغها داروين في كتابه أصل الأنواع the origin of species، وكان هناك خلط منهجي في البحث اللغوي بين دراسة اللغة دراسة تاريخية ودراستها دراسة آنية”3. وجدير بالذكر أن بعض علماء اللغة فرق بين هذين المصطلحين diachronic linguistics و historical linguistics، ومن بين هؤلاء العلماء الذين اعتمدوا على التفرقة بين المنهجين نجد العالم اللساني فرديناند دو سوسيرالذي فصل في التمييز بين المنهجين، فقد فرق بين الدراسات التعاقبية diachronic والدراسات التزامنية syncronic، ودعا إلى عدم الخلط بين المنهجين لأن تاريخ اللغة وتطور الكلمات والتراكيب ليس له صلة بوصفها في فترة معينة من الزمن، ومنذ ذلك الحين غلب الاهتمام بالمنهج التزامني على نظيره التعاقبي، وانحسرت العناية بالدراسات التاريخية في عدد قليل من اللسانين.

ومن المهم هنا أن نوضح أنه في اللسانيات التاريخية historic linguistics كما في غيرها يمكن للمرء أن يدرس لغة بعينها أو يدرس اللغة من حيت هي،1 إلا أن هناك ما يبرر النظر إلى الدراسات اللغوية في عصر داروين darwin بوصفها تاريخية في معظمها، والنظر إلى الدراسات في القرن العشرين بحسبانها وصفية في المقام الأول.2

والملاحظ أن منهج اللسانيات التاريخية يعتمد على تتبع السببية التاريخية التي تؤول إلى تفسير الظاهرة اللغوية بناء على أسباب تاريخية وأن التأثيل الذي هو دراسة أصل الكلمات وتطورها كان وسيلتها المفضلة .

ب– علم الأصوات أو الصوتيات :  phonetics

يدرس الأصوات الكلامية وتصنيفاتها كحقائق فيزيائية يمكن ملاحظتها في جميع اللغات وذلك باستعمال الأجهزة والمخابر، وهي أقدم من الصوتيات الوظيفية وتتفرع بدورها إلى:

علم الأصوات النطقي :  Articulatory phonetics

“إحداث الصوت من حيث نطقه ،والاستعدادات والقدرات الجينية الوراثية التي تؤهل الإنسان لنطق أصوات الكلام”،3 أي دراسة كيفية حدوث الأصوات في المخارج ( الحلق، الفم، الخياشم) .

علم الأصوات السمعي:   Acoustic phonetics

يعني بنية الأصوات وهي في طريقها إلى أذن السامع، والجوانب السمعية المتعلقة بذلك”كما يعنى كذلك بدراسة ميكانيكية للجهاز السمعي والطرق التي تؤثر في سلوكاته وتأثره بالأصوت التي تشكل مادته الرئيسية من حيث تموجاتها واستقبالها وتحويلها إلى برقيات مرمزة عبر سلسلة الأعصاب والدماغ .1

علم الأصوات العصبي:  Merological phonetics

أي العمليات النفسية العصبية التي لها صلة بإدراك الأصوات.2

علم الصياتة أو (الصوتيات الوظيفية):  phonology

هو العلم الذي يدرس الأصوات من حيث وظيفتها في اللغة الوظيفة التمييزية، ويهدف إلى تحديد الاختلافات الصوتية التي لها قيمة تفاضلية تسمح بالتمييز بين كلمتين مختلفتين.3 ونجد بالموازاة مع هذا التعريف تعريف آخر “ليونز” إذ يقول هو العلم الذي يهتم بالأصوات الكلامية ذات الصلة بالدلالة تلك المسمات بالصيتيات phonemes  وتنوعاتها الصوتية Allphoncs في لغة ما وخصائصها وأنظمتها والقواعد الصياتية التي تحكمها. وبينما يتناول علم الأصوات الجوانب المادية للأصوات الممكنة في كل اللغات، يتناول علم الصياتة النظام الصوتي في لغة بعينها وإن كانت المقارنة مع نظام صوتي في لغة أخرى ممكنة على أية حال.4

علم الصرف أو التصريف:  Morphology

هو المجال الذي يتناول البنية القواعدية للكلمات ونظم المصرفات morphemes لبناء الكلمات والقواعد التي تحكم هذه المصرفات، ونجد تعريف آخر مقابل له “هو علم يعنى بدراسة بنية الكلمات وتغيراتها مثل الكلمات  البسيطة والكلمات المركبة والجامدة والمتصرفة كما يهتم بدراسة الاشتقاق والاسباق والإلحاق والدور الذي يؤديه الصرف داخل التحليل اللساني يتغير وفقا للنظريات.1

  علم النحو أو علم  التركيب:  syntax

يتناول بنية الجمل اللغوية، وأنماطها والعلاقات بين الكلمات وآثارها والقواعد التي تحكم تلك العلاقات فالنحو يتناول بنية الجملة.2

وهناك تعريف آخر يقول بأن النحو “هو دراسة كيفية انتظام المونيمات داخل الجملة والغاية التي يسعى إليها هذا العلم هي تحديد القواعد المألوفة في ترتيب الكلمات لتكوين الجمل في لغة من اللغات،3 وفي سياق النظريات اللسانية الحديثة، لجأت المدرسة التوزيعية في تحليلها التركيبي إلى طريقة التحليل إلى مكونات مباشرة إلى مورفيمات وهي تقصي المعنى تماما من هذا التحليل الذي أعاد شومسكي صياغته على شكل قواعد إعادة الكتابة.

أما أندري مارتيني فلقد اعتمد على التحليل الوظيفي للتراكيب الذي يهدف إلى وصف الوسائل التي يستعملها المخاطب للتعبير عن تجربته ومعرفة العلاقات القائمة بين مختلف اللفظات في الجملة (الرسالة) وكذا وظائفها من خلال إخضاعها إلى معيار الاكتفاء التركيبي وموضع اللفظة ودلالته (اللفظة الوظيفية)4.

علم الدلالة : Semantics

وضع هذا المصطلح بريال breal للمجال الذي يعني بتحليل المعنى الحرفي للألفاظ اللغوية ووضعها، ولا تقتصر اهتماماته على الجوانب المعجمية من المعنى فقط بل تشمل أيضا الجوانب القواعدية.5

وينقسم علم الدلالة إلى “علم الدلالة الخاص وعلم الدلالة العام، علم بنية الدلالة في الدماغ البشري، علم التعرف على اللغة عندما تخزن في الدماغ دون معرفتها، علم فهم اللغة (عندما تخزن في الدماغ مع فهمها ) علم المشترك والترادف وعلم تقطيع اللغات للواقع وتسميته”.1

وكذا فإن مباحثه لا تقتصر على معاني الكلمات فقط بل تشمل أيضا معاني الجمل وهكذا فإن من الموضوعات التي يتناولها هذا العلم :

  • البنية الدلالية للمفردات اللغوية.
  • العلاقة الدلالية بين المفردات كالترادف والتضاد.

ج- المعنى الكامل للجملة، والعلاقات القواعدية بينها.

د- علاقة الألفاظ اللغوية بالحقائق الخارجية التي تشير إليها، وهو ما يدرس في علم الدلالة الإشاري.2

ومن المباحث التقليدية السائدة في الغرب ما يعرف بعلم الدلالة التاريخي الذي يدرس الكلمات المفردة وتاريخها. وتطور معانيها عبر العصور تحث مبحثين يطلق عليهما التأثيل etymology والتغيير الدلالي semantic change.

وقد تعددت اهتمامات الباحثين في علم الدلالة من تخصصات مختلفة إلى الحد الذي أصبح فيه الحديث عن علوم الدلالة ممكنا من هنا نجد اللغوي “جون لاينز ” يميز بين علم الدلالة.  

اللغوي وعلم الدلالة الفلسفي، وعلم الدلالة الإناسي وعلم الدلالة النفسي وعلم الدلالة الأدبي.3

 

5- اللسانيات التداولية (البراغماتية):  pragmatics   

تأسيسا على المفهوم العام ل  pragmatique في الدرس اللساني الغربي الحديث، وهو دراسة اللغة في حال الاستعمال أي حينما تكون متداولة بين مستخدميها، فقد اختار “طه عبد الرحمان” مصطلح التداوليات مقابلا ل pragmatique يقول”وقد وقع اختيارنا منذ 1970 على مصطلح التداوليات مقابلا للمصطلح الغربي (البراغماتيقا) لأنه يوفي المطلوب حقه، باعتبار دلالته على معنيين الاستعمال و التفاعل معا ولقي منذ ذلك الحين قبولا من لدن الدارسين الذين أخذوا يدرجونه في أبحاثهم”.1 لكن هذا المصطلح ترجمه بعض اللسانيين العرب بالذرائعية حينا وبالتداولية أو النفعية حينا آخر وهي تراجم غير موفقة في نظر الباحث ” محمد محمد يونس علي” لأن مصطلح البراغماتية إغريقي الأصل يفسره الغربيون بأنه علم الاستعمال the science of use الذي يتفق تماما مع مباحث الاستعمال المقابلة لما يعرف بالوضع عند علماء أصول الفقه والبلاغيين العرب القدماء، فإن تسمية pragmatics بعلم الاستعمال قد تكون أفضل من غيرها مما ذكر فهو يفضل تسميته بعلم التخاطب باعتبار أن الترجمة تراعي اللفظ لا مفهومه فالمهتمين بعلم التخاطب يذهبون إلى أن دراسة القولات اللغوية بمعزل عن السياقات التي تستخدم فيها امر غير سليم على الإطلاق لأنه بالنسبة له السياق وعناصر خارجية اخرى كالمخاطب والمخاطب لا يمكن إغفالها في التوصل إلى الفهم السليم لكلام المتكلم.2

كما تدرس خصائص اللغة في الاستعمال أو بعبارة أخرى هي دراسة علاقة الادلة اللغوية بمستعمليها. “ويعرف هذا العلم بأنه دراسة كيف يكون للقولات معان في المقامات التخاطبية”.3

وهو مصطلح يستخدم آحيانا في نطاق دراسة البراكماتية للإشارة إلى دراسة استخدام اللغة من وجهة نظر الامكانيات البنيوية للغة ما، ويختلف علم اللغة البراغماتي عن الدراسات البراغماتية Pragmatic studies التي تبحث في شروط استخدام اللغة الناشئة عن الموقف الاجتماعي وهي ما يطلق عليه أحيانا sociopragmatics أي البراغماتية الاجتماعية .

والبراغماتية مصطلح يعني بدراسة استخدام اللغة في حين يعنى التركيب ( نظم الجملة) syntax بدراسة ارتباط الكلمات ببعضها، في حين يعني علم الدلالة semantics بدراسة المعنى. وبمعنى آخر فإن البراغماتية تختص بدراسة اللغة من وجهة نظر وظيفية بمعنى أنها تحاول تفسير أوجه البنية اللغوية عن طريق الإشارة إلى العوامل والأسباب غير اللغوية والسياقات التي قيل فيها المنطوق.1

ولقد ظهرت البراغماتية بهذا المفهوم على يد كل من جون أوستين وجون سيرل وبول غريس، وتكمن غايتها في إثبات الكيفية التي تتفاعل بها العوامل التي تحيط بالفعل الكلامي مثل السياق الزماني والمكاني التاريخي والاجتماعي، الحالة النفسية للمتكلم مع نظام اللغة.2 وقد سبق لموريس في تمييزه الثلاثي المشهور بين حقول علم العلامات (النحو، الدلالة التخاطب) ذكر أن علم النحو يدرس العلاقات بين العلامات اللغوية وعلم الدلالة يدرس علاقتها بالأشياء والتخاطب يدرس علاقة العلامات بمفسريها ويعود هذا التصنيف الثلاثي إلى بورسpeirce  وإن كان موريس هو أول من رسمه بوضوح وأيده كارناب carnap3.

ومن التفريعات المقترحة بين علم الدلالة وعلم التخاطب أن الأول يدرس المعنى، والثاني يدرس الاستعمال. غير أن الفرق بين دراسات الغربيين وعلماء التراث هو أن الدلالة والتخاطب أصبحا علمين متميزين في اللسانيات الحديثة.

ويتصل الفرق بين علم الدلالة، وعلم التخاطب بالفرق بين الجملة والقولة، فبينما تنتمي الجملة التي هي كيانات لغوية مجردة إلى اللغة، تنتمي القولات التي هي تجليات فعلية وتحققات وتجسدات عملية للجمل إلى الكلام، إذا فمعاني الجمل هي موضوع علم الدلالة في حين أن معاني القولات هي موضوع علم التخاطب.4

لكن مع ذلك ظل اللسانيون يرفضون الاقتصار على دراسة الجمل اللغوية على نحو تجريدي بمعزل عن السياق التي تستخدم فيها رافضين فكرة تشومسكي بشأن “المخاطب السليقي المثاليspeaker/hearer 1

ومن المفيد أن نفرق بين علم الدلالة الذي يختص بدراسة المعنى بصرف النظر عن السياق أي المعنى الذي لا يتوقف على السياق، والبراكماتية التي تختص بدراسة العلاقات بين اللغة والسياق اللازم لفهم المنطوق.

6- اللسانيات التطبيقية (الموسعة):

بما أن اللغات البشرية لها ارتباطاتها الإنسانية والطبيعية المتفرعة، كذلك فإن لعلم اللسانيات فروعا يختص كل منها بناحية جزئية من اللغات،”عندما يقصر اللغوي اهتماماته البحثية على بنية اللغة، وأنظمتها دون أن يتطرق إلى الأبعاد النفسية أو الاجتماعية أو العرقية أو الأدبية فإنه يبحث في اللسانيات المضيقة mierolinguistics، أما إذا اختلط البحث ببعض الأبعاد والجوانب السابقة فسيندرج في اللسانيات الموسعة التي تشمل:

أ- اللسانيات الاجتماعية : social linguistics

هي فرع من علم اللغة التطبيقي يدرس مشكلات اللهجات الجغرافية واللهجات الاجتماعية والازدواج اللغوي والتأثير المتبادل بين اللغة والمجتمع، وبتفصيل أكثر فإن علم اللغة الاجتماعي هو دراسة اللغة من ناحية صلتها بالعوامل الاجتماعية مثل اللغة الطبقة الاجتماعية والمستوى التعليمي ونوع التعليم والعمر والجنس والأصل العرقي الخ.2

و يعرف “لاينز” هذا العلم بأنه دراسة اللغة من حيث علاقتها بالمجتمع وهو فرع نشأ عن التعاون بين اللسانيات وعلم الاجتماع، الذي يبحث في المعنى الاجتماعي لنظام اللغة واستخدامها وزمرة الشروط بين البنية اللغوية والاجتماعية.3

وعليه فاللسانيات الاجتماعية تبحث في العلاقة القائمة بين اللغة والمجتمع، ذلك أن اللغة لها صلة بالمجتمع الذي ينظمها ويؤطرها على نحو يجعلها مختلفة عن اللغات الأخرى نظاما وعادة وسلوكا، فاللغة ظاهرة وتقاليد اجتماعية تتفق عليها الجماعات البشرية ،وهي تعكس كل ما يروج فيها من عادات وتقاليد وثقافة ودين وتنوعات جغرافية وإقليمية.1

من هنا نستنتج على أن اللسانيات الاجتماعية تبحث في التالي : “اللغة واللهجة والأطلس اللغوي الجغرافي، العلاقات الاجتماعية والثقافية في المجتمع الواحد وأثر ذلك في تعليم اللغة القومية وتعلمها الفروق القائمة بين لغة النساء ولغة الرجال، المستويات الكلامية اللغوية حسب سياقاتها الاجتماعية، اللغة المنطوقة واللغة المكتوبة. ويكمن الفرق بين اللسانيات الاجتماعية sociolinguistique وعلم الاجتماع اللغوي sociologie du langage من حيث أن اللسانيات الاجتماعية ” تقوم بدراسة اللغة في علاقتها مع العوامل الاجتماعية.”2

ويقسمها جاك، س ريتشارد إلى قسمين الأول هو اللسانيات الاجتماعية الكبرى macrosociolinguistique الذي يتناول أفعال الكلام وأحداث الكلام والأقوال المتعاقبة وأيضا تلك البحوث التي تتعلق بالتنوع الذي يحدث في اللغة المستعملة من قبل الجماعة اللغوية فمن العوامل الاجتماعية. والثاني اللسانيات الاجتماعية الصغرى microsciolinguistique الذي يتناول دراسة الثنائية اللغوية والتعددية اللغوية والتخطيط اللغوي والميول اللغوي…3

أما علم اللغة الاجتماعي فهو يدرس المجتمع واللغة من منظورين: اللسانيات الاجتماعية الكبرى والتفسيرات الاجتماعية للغة دون التطرق إلى ظواهر بنية اللغة داخل المجتمع، والوقوف عند التنظيمات الاجتماعية للغة.

ب- اللسانيات العرقية (أو الثقافية): ethnolinguitics

هي دراسة البيئة الطبيعي والثقافية لجماعة لغوية، كما قام بها علماء الأنثروبولوجيا من أمثال” مالينوفسكي وكروبر” مستخدمين وسائل البحث الميداني في وصف سياقات الموقف للأحداث الكلامية.1        

ولقد عرفها لاينز “بأنها دراسة اللغة من حيث علاقتها بالثقافة ،ولما كانت الثقافة تقتضي مجتمعا، وكان المجتمع خاضعا للثقافة فإن مباحث اللسانيات الاجتماعية، واللسانيات العرقية بمفهومهما الواسع تتداخل إلى حد كبير.2

ج- اللسانيات النفسية:  psycholinguistics

يتركب المصطلح الأجنبي من كلمتين هما الكلمة الإغريقية psyche بمعنى العقل أو الذهن والكلمة اللاتينية lingua التي تعني اللغة ويعرف اصطلاحا بأنه “دراسة اللغة والعقل”3

وهو فرع من علم اللغة التطبيقي يدرس طريقة اكتساب اللغة الأم وتعلم اللغات الأجنبية والعوامل النفسية المؤثرة في هذا التعلم، كما يدرس عيوب النطق وعلاجها والعلاقة بين النفس البشرية واللغة بشكل عام والعمليات النفسية والعقلية المصاحبة للمهارات اللغوية المختلفة ومن أهم مجالات علم اللغة النفسي دراسة العمليات الذهنية التي يستخدمها الإنسان في إنتاج اللغة وفهمها وأيضا دراسة كيفية تعلم البشر اللغة.4

 واللسانيات النفسية كذلك هي الدراسة العلمية للسلوكات اللفظية في جانبها النفسي لأن الكلام فعل فردي ينبغي دراسته ضمن اللسانيات النفسية، ويعرفها جون مونان بأنها “مجال يجمع بين اللسانيات وعلم النفس وتهتم بدراسة اكتساب اللغة وتطورها من جهة وبالعمليات النفسية التي تعتبر مصدرا للنطق، الفهم والتذكير…سواء بالنسبة للناطقين الأصليين أو المتعلمين للغة ثانية.”5

وتهتم اللسانيات النفسية بصفة خاصة بدراسة الآليات الذهنية التي تسمح للطفل باكتساب اللغة والمشاكل التي تطرحها الإزدواجية اللغوية، وتعد نظرية تشومسكي النظرية التوليدية التحويلية الخلفية الأساسية لفهم تشعب دراسات اللغة في بعدها النفسي ويرى تشومسكي” أن عقل الطفل يحتوي على خصائص فطرية أو ما يمكن أن ينعت بالكلمة الفطرية التي تجعله قادرا على تعلم أي لغة إنسانية، وهو من هنا له استعداد فطري لأن يكون قواعد لغته بصورة إبداعية من خلال الكلام الذي يسمعه.

و”علم اللغة النفسي واحد من أحدث فروع علم اللغة، ويعد عام 1953 تاريخ نشأته عندما اجتمع فريق من اللغويين وعلماء النفس الإثنولوجيين العرقيين في ” بلومنحبتون بولاية إنديانا حيث رسموا حدود الدراسات اللغوية النفسية.”1

د- اللسانيات العصبية: la neurolinguistique

تبحث في العلاقة القائمة بين اللغة والدماغ وتكمن مهمة هذا العلم في معرفة البنية اللغوية الدماغية عند الإنسان ومقارنتها بالبنية الإدراكية عند الحيوان. وبمعنى آخر “فإنه يختص بدراسة الوظيفة التي يقوم بها المخ في تعلم اللغة واستخدامها ما يضم أيضا البحث في كيفية تأثير المخ في تعلم اللغة وكيف يتم اختزان اللغة في الذاكرة ،2 أضف إلى ذلك أن هذا العلم يريد معرفة التطور اللغوي البيولوجي عند الأطفال وكيفية نشوء الأمراض اللغوية لديهم” وهناك بحوث تجرى حاليا لتحديد وظيفة كل جزء من أجزاء الدماغ خلال حدوث جميع العمليات اللسانية، وفقا لبعض الفرضيات تتم المراحل الأولى لاكتساب معلومات جديدة في شق معين ويتم دمجها مع المعلومات السابقة في الشق الآخر.

و”تهتم اللسانيات العصبية كذلك بأمراض الكلام واستعادة الكلام ومن هنا تبرز العلاقة بين اللسانيات العصبية والأرطفونيا كما تعنى كذلك بقضايا الازدواجية اللغوية لكن ليس من حيث الجانب النفسي كما تدرسها اللسانيات النفسية بل من حث علاقتها بالدماغ مثل الأسباب الدماغية التي ينجم عنها التداخل اللغوي لدى متعددي أو مزدوجي اللغة، والأسباب التي تجعل الطفل يتأخر في اكتساب اللغة الأولى عندما يبدأ بتعلم اللغة الثانية ولا تزال اللسانيات العصبية حائرة أمام العديد من القضايا، الأمر الذي سيحفزها على التطور المستمر”.1

هـ- اللسانيات الأدبية: la linguistique littéraire

تبحث في العلاقات القائمة بين اللسانيات والأدب والنقد والسيميائيات والأسلوبيات، وكذا عن أفضل التقنيات اللسانية، التي يمكن للأديب والكاتب أن يستخدمها ليكون عمله أكثر تأثيرا وفهما في المجتمع وعن الكيفية التي يستطيع الأدب من خلالها أن يقدم عينات وشرائح أدبية متنوعة للسانيات، من أجل أن تدرسها وتبني عليها فرضيات يمكن أن تساهم في بناء صيغة علمية دقيقة للنقد الأدبي الحديث.2

و- اللسانيات النصية: La linguistique textuelle

اللسانيات النصية هي علم ناشئ تكون بالتدريج في السبعينيات من القرن العشرين، وهو يهتم بالنصوص اللغوية وكيفية جريانها في الاستعمال ويقوم على أساس التحليل التداولي وأهم ملمح في لسانيات النص أنه غني متداخل الاختصاصات يشكل محور ارتكاز عدة علوم ويتأثر دون شك بالدوافع ووجهات النظر والمناهج والأدوات والمقولات التي تقوم عليها هذه العلوم.أما في التراث العربي فقد بحث بعض علمائنا في “النص” ونظروا له ولم يتوقفوا عند التنظير للجملة، فمن علمائنا الذين قدموا إسهاما علميا ناضجا في مجال التنظير والتطبيق النصي الإمام عبد القاهر الجرجاني في ” نظرية النظم” وتبرز قيمته النصية في أنه جمع بين علوم كثيرة ك “النحو” و” علم المعاني” و”علم البيان”و”التفسير”و”دلائل الألفاظ”و”المعجمة” و”المنطق”… وألف بين أشتاتها في تناغم  عجيب واتخذ منها أدوات معرفية متضافرة على تحقيق هدف واحد هو خدمة النص القرآني وبيان إعجازه.3

أما في حقل النقد اللسانيات فقد استوت اللسانيات النصية بعدها أخر المناهج وأكثرها استيعابا للمقولات السابقة، وجعلت مفهوم النص يشمل العناصر الداخلة في تشكيله والمرتبطة بالشروط الخارجية المحيطة به ويتجاوز في مفهومه كل الأجناس والتصنيفات وهو مثل اللغة تماما يقوم على اختلاف الدلالة وتأجيل المعنى مما يجعله مفتوحا على المشاركة لا الاستهلاك.1

  ن- اللسانيات الأنثروبولوجية: la linguistique anthropologique

فرع من فروع علم اللغة يختص بدراسة العلاقة بين اللغة والثقافة في مجتمع ما مثل تقاليده ومعتقداته ونظام الأسرة فيه، كما تبحث في الصلة التي تربط اللغة بأصل الإنسان وبعبارة أخرى فهي تتناول” بالدراسة الصلة التي تربط اللغة بالخصائص الثقافية للإنسان في مجتمع معين، ومن بين أهم النظريات التي ظهرت في هذا المجال نذكر نظرية “سابير” الذي يرى بأن البشر لا يعيشون في العالم المادي وحده ولا في عالم النشاط الاجتماعي بالمفهوم العادي، وإنما يخضعون إلى النموذج اللغوي الذي يحدد التكيف الاجتماعي في المحيط الثقافي لأنه من الصعب فصل اللغة عن الثقافة، واستعمل الثقافة هنا بالمعنى الواسع لتدل على التصورات والمفاهيم التي تكونها المجموعة البشرية عن العالم المحيط بها، ونذكر كذلك فرضية “وورف” الذي أجرى دراسة عن الهنود الحمر استنتج من خلالها بأن اللغة ليست في جوهرها وسيلة للتعبير عن الأفكار بل هي نفسها تشكل هذه الأفكار.2

ي- اللسانيات الحاسوبية: Computational linguistics

فرع من علم اللغة التطبيقي “يسعى إلى وضع اللغات البشرية في صيغ وأطر رياضية وذلك لمعالجتها في الحواسيب الإلكترونية، من أجل السرعة والدقة العلميتين في البحوث اللغوية ومن أجل ترجمة النصوص اللغوية ترجمة آلية فورية، فمع التطور السريع الذي  شهدته التكنولوجيا المعلوماتية بدت الحاجة ملحة إلى الاعتماد على التقنيات اللسانية لتسهيل التواصل بين الإنسان والآلة (الحاسوب)، وبالموازاة مع ذلك استفادت اللسانيات كذلك من كفاءة الحاسوب لتكتسب بذلك بعد آخر ولتنفتح على مجالات بحث اخرى وتعتبر اللسانيات الحاسوبية جزءا من التقنيات الحاسوبية وتدخل في مجالات فرعية للذكاء الاصطناعي ومن بين أهم تطبيقاتها الملموسة نجد:

تصمم برامج حاسوبية : تشتغل هذه البرامج في تحليل اللغات الطبيعية ولقد اثبتت أعمال تشومسكي في هذا المجال التشابه بين اللغات الطبيعية واللغات الحاسوبية.

الترجمة الآلية: تعتبر الترجمة من الأعمال التي يصعب على الحاسوب انجازها وهذا راجع إلى كون الترجمة ليست عبارة عن عملية وضع مقابلات معجمية في اللغة المنقول إليها لمصطلحات في نص اللغة المنقولة، وإنما تنطوي كذلك على تحليل دلالي وبرغماتي يتم من خلالهما تحديد المعنى الخاص بالكلمة في السياق الذي تظهر فيه ولا يزال الحاسوب عاجزا عن القيام بهذا التحليل.”1

ومن بين مباحث علم اللغة الآلي/الحسابي “هو الفهرسة الآلية أو الأتوماتيكية ،والتلخيص مثلما حدث في بعض المكتبات الضخمة في الولايات المتحدة الأمريكية، ويرجع تاريخ أول تجربة للترجمة إلى عام 1954 وقد أجريت في جامعة جورج تاون الأمريكية، أما أول مقرر تعليمي في علم اللغة الآلي /الحسابي فكان في جامعة غنديانا وتولى تدريسه بول جارفنPaul garvin “.2

خاتمة:

وما يستخلص من هذه الدراسة أن مجال اللسانيات الحديثة عرف تطورا كبيرا لاسيما في العقود الأخيرة، وهذا التطور كان فاعلا أساسيا في مواكبة التطور العلمي وإنتاج وتوليد مفاهيم وتقنيات جديدة وتعديل ما سبق بناء على دراسات معمقة وجوهرية، كما هو الحال في الدراسات الدلالية والبراغماتية… أو التخلي عنها تخليا نهائيا كموضوع نشأة اللغة، الشيء الذي جعلها علما  دقيقا قائما بذاته، فطبيعة موضوع اللسانيات والمناهج البحثية المتبعة فيه جعلته علما يجمع بين خصائص العلوم الطبيعية والعلوم الاجتماعية ويتعامل مع اللغة البشرية بوصفها نظاما علاميا فيمكن عده فرعا من فروع علم العلامات semiotics. ما أدى إلى ظهور اختصاصات متداخلة مثل اللسانيات النفسية واللسانيات الحاسوبية، وعليه فاللسانيات الحديثة أصبحت أكثر تنوعا وأصعب للوصف وأغنى من حيث المصطلحات اللسانية التي تميزها.

المصادر والمراجع   العربية:

1 الحاج صالح ع، 2007، بحوث ودراسات في اللسانيات العربية، ج 1 الجزائر، منشورات المجمع ، مؤسسة الفنون المطبعية.

2 الوعر م، 1992،  صلة التراث اللغوي العربي باللسانيات، مجلة التراث العربي ، العدد 48 جويلية.

3 أحمد شفيق ع، 2006،  قراءات في علم اللغة، الطبعة الأولى، القاهرة، مصر،  دار النشر للجامعات.

4 قدور أ، 1996، مبادئ اللسانيات، بيروت، دار الفكر المعاصر دمشق.

5 قدور أ،2001،  اللسانيات وآفاق الدرس اللغوي، دمشق، بيروت، دار الفكر المعاصر.

6 بن علي ن،2009، ترجمة النصوص المتعلقة باللسانيات إلى اللغة العربية وإشكالية المصطلحات والمفاهيم ، دراسة تحليلية نقدية، جامعة الجزائر المدرسة العليا للأساتذة في الآداب والعلوم الإنسانية.

7 بوجادي خ، 2009، في اللسانيات التداولية مع محاولة تأصيلية في الدرس العربي القديم، الطبعة الأولى،  بيت الحكمة للنشر والتوزيع.

8 حليلي ع،1991، اللسانيات العامة واللسانيات العربية تعاريف، وأصوات، الطبعة الأولى، مطبعة النجاح الجديدة.

9 عبد الجليل  ع، 2004، علم اللسانيات الحديثة، عمان الأردن، ـدار الصفاء للنشر والتوزيع .

10 طالب الإبراهيمي خ،2006، مبادئ في اللسانيات، الجزائر دار القصبة.

11 بوتون ش، 2001، اللسانيات التطبيقية، ترجمة د، قاسم المقداد و محمد رياض المصري.

12 لوشن ن،2006، مباحث في علم اللغة ومناهج البحث، الإسكندرية، مصر، المكتب الجامعي الحديث.

13 يونس علي م، 2004، مدخل إلى اللسانيات، الطبعة الأولى، دار الكتاب الجديد المتحدة .

المراجع الأجنبية:

1/Mounin g، 1968 clefs pour la traduction ، paris gallimard،france.

2/Ritchard j،c1992 dictionnary of language teaching and applied linguisticsà، longman group،uk limted.

الهوامش

[1]  مبادئ في اللسانيات، 2006 ص 14.

[2] جورج مونان 1968 ص 13.

[3] بحوث ودراسات في اللسانيات العربية، 2007 ص 13.

1  اللسانيات العامة  واللسانيات العربية، 1991 ص 13.

 2  قراءة في علم اللغة، 2006 ص 38

1  مدخل إلى اللسانيات، 2004 ص 12.

2  قراءات في علم اللغة، 2006 ص 46.

3  مدخل إلى اللسانيات، 2004 ص 12.

1  مدخل إلى اللسانيات، 2004 ص ص15.

2  قراءات في علم اللغة، 2006 ص 60.

1  مدخل إلى اللسانيات، 2004 ص 15.

1  قراءات في علم اللغة، 2006 ص 58.

2  نفسه ص 47.

3  قراءات في علم اللغة، 2006 ص 55.

1  مدخل إلى اللسانيات، 2004 ص 14.

2  قراءات في علم اللغة، 2006 ص 55.

3  مدخل إلى اللسانيات، 2004 ص 15.

1  علم اللسانيات الحديثة، 2002 ص 301.

2  مدخل إلى اللسانيات، 2004 ص 15.

3  ترجمة النصوص المتعلقة باللسانيات إلى اللغة اعربية وإشكالية المصطلحات والمفاهيم، 2009 ص 15.

4  مدخل إلى اللسانيات، 2004 ص 16.

1  مدخل إلى اللسانيات، 2004 ص 16.

2  ترجمة النصوص المتعلقة باللسانيات إلى اللغة العربية وإشكالية المصطلحات والمفاهيم، 2009 ص 16.

3  مباحث في علم اللغة ومناهج البحث، 2006 ص 149.

4  ترجمة النصوص المتعلقة باللسانيات إلى اللغة العربية وإشكالية المصطلحات والمفاهيم، 2009  ص 16.

5  مدخل إلى اللسانيات، 2004 ص 16.

1  ترجمة النصوص المتعلقة باللسانيات إلى اللغة العربية وإشكالية المصطلحات والمفاهيم، 2009  ص 17.

2  مدخل إلى اللسانيات، 2004 ص 17.

3  نفسه ص 18.

1  اللسانيات التداولية مع محاولة تأصيلية في الدرس العربي القديم، 2009 ص 151.

2  مدخل إلى اللسانيات، 2004 ص 11.

3  نفسه ص 18.

1  قراءات في علم اللغة، 2006 ص 65.

2  ترجمة النصوص المتعلقة باللسانيات إلى اللغة العربية وإشكالية المصطلحات والمفاهيم، 2009  ص 18.

3  مدخل إلى اللسانيات، 2004 ص 19 .

4  نفسه ص 18.

1  مدخل إلى اللسانيات، 2004 ص 20.

2  قراءات في علم اللغة، 2006 ص 69.

3  مدخل إلى اللسانيات، 2004 ص 21.

1  صلة التراث اللغوي العربي باللسانيات، 1992 ص 18.

2  dictionnary of language teaching and applied linguistics 1992p 20.

3  ترجمة النصوص المتعلقة باللسانيات إلى اللغة العربية وإشكالية المصطلحات والمفاهيم، 2009 ص 20.

1  قراءات في علم اللغة، 2006 ص 49.

2  مدخل إلى اللسانيات، 2004 ص 21.

3  نفسه ص 21.

4  قراءات فàي علم اللغة، 2006 ص 67.

5  ترجمة النصوص المتعلقة باللسانيات إلى اللغة العربية وإشكالية المصطلحات والمفاهيم، 2009 ص 23.

1  قراءات في علم اللغة، 2006 ص 67.

2  نفسه ص 37.

1 ترجمة النصوص المتعلقة باللسانيات إلى اللغة العربية وإشكالية المصطلحات والمفاهيم، 2009 ص 22.

2  صلة التراث اللغوي العربي باللسانيات، 199 ص 14.

3  ترجمة النصوص المتعلقة باللسانيات إلى اللغة العربية وإشكالية المصطلحات والمفاهيم، 2009 ص 19.

1  اللسانيات التداولية مع محاولة تأصيلية في الدرس العربي القديم، 2009 ص 43.

2  ترجمة النصوص المتعلقة باللسانيات إلى اللغة العربية وإشكالية المصطلحات والمفاهيم، 2009 ص 21.

1  ترجمة النصوص المتعلقة باللسانيات إلى اللغة العربية وإشكالية المصطلحات والمفاهيم، 2009 ص 22.

2  قراءات في علم اللغة، 2006 ص 45.

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.