بوسلهام الكريني يكتب: ازدواجية الإيمان بين محراب الجمعة وسلوكيات الأسبوع: أزمة ضمير أم خلل تربوي؟

إشراقة نيوز:

✍️ بوسلهام الكريني

في كل يوم جمعة، تتزين المساجد بالمصلين، وتعلو الأصوات بخشوع، وتغمر القلوب رجاءً في رحمة الله. مشهد يبعث على الطمأنينة، يوحي بأن المجتمع لا يزال يحتفظ بجذوة الإيمان. لكن ما أن يسلم الإمام، حتى تنقلب الصورة، ويعود كثيرون إلى واقعٍ مغاير، حيث تُرتكب الموبقات بلا وجل، وتُداس القيم التي رُددت في الخطبة قبل دقائق.

هذه المفارقة الصارخة بين مظاهر التدين وسلوكيات الحياة اليومية تطرح سؤالاً مؤرقاً: هل أصبح الدين طقساً شكلياً يُمارس في المساجد فقط؟ أم أن هناك خللاً أعمق في فهم جوهر الإيمان؟

– السرقة، الزنا، الفساد، الخيانة، شهادة الزور، أكل أموال الناس بالباطل… كلها جرائم لا تُرتكب في الخفاء فحسب، بل أحياناً تُبرر باسم “الضرورة” أو “الذكاء الاجتماعي”.

– اليمين الغموس والاختلاس لم يعودا استثناءً، بل تسللا إلى مفاصل الحياة المهنية والاقتصادية، حتى باتت الثقة عملة نادرة.

فالإسلام، كما جاء في القرآن والسنة، ليس مجرد شعائر، بل منظومة أخلاقية وسلوكية متكاملة. الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، لكنها لا تفعل ذلك سحرياً؛ بل تحتاج إلى وعي، ومجاهدة، وتربية مستمرة.

– من يسرق بعد الصلاة، لم يفهم معنى “إياك نعبد وإياك نستعين”.

– ومن يخون بعد التهجد، لم يتذوق طعم “إن الله يأمر بالعدل والإحسان”.

هذا، فقد يكون السبب في هذه الازدواجية غياب التربية الروحية العميقة، أو ضعف القدوة في المجتمع. حين يرى الفرد أن من يتصدر المشهد الديني هو نفسه من يبرر الفساد، تتزعزع الثقة، ويُختزل الدين في مظاهره.

– التربية على القيم تبدأ من البيت، وتُصقل في المدرسة، وتُختبر في السوق.

– القدوة الصالحة ليست من يرفع شعاراً دينياً، بل من يترجمه إلى سلوك يومي.

إن الرجاء في رحمة الله لا يُستنكر، لكن انتظار الغيث دون إصلاح الأرض ضربٌ من الوهم. فالله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. فهل نغير ما بأنفسنا؟ هل نراجع ضمائرنا؟ هل نعيد تعريف الإيمان ليشمل الصدق، والأمانة، والعدل، والرحمة؟

المساجد ليست مسرحاً للتدين الموسمي، بل منطلقاً لإصلاح النفس والمجتمع. الإيمان الحقيقي لا يُقاس بعدد الركعات، بل بمدى انعكاسه على السلوك. فلنعد النظر في علاقتنا بالدين، لا لننكرها، بل لننقذها من التناقض، ونُعيد لها صدقها وبهاءها.

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.