بوسلهام الكريني يكتب: الملك والدستور.. تفكيك الجدل حول صلاحيات حل البرلمان وإقالة الحكومة

إشراقة نيوز: بوسلهام الكريني

في خضم النقاشات المتصاعدة حول أحقية جلالة الملك محمد السادس في حل البرلمان وإقالة الحكومة، تبرز الحاجة إلى العودة إلى النصوص الدستورية التي تؤطر هذه الصلاحيات، بعيدا عن التأويلات السياسية أو الانفعالات الإعلامية. فالدستور المغربي، باعتباره المرجعية العليا، يحدد بدقة أدوار المؤسسات ويضبط العلاقة بينها، بما يضمن التوازن والاستقرار.

فالفصل الأول من دستور المملكة المغربية ينص على أن “النظام الدستوري للمملكة يقوم على أساس فصل السلطات، وعلى الديمقراطية المواطنة والتشاركية، وعلى مبادئ الحكامة الجيدة، وربط المسؤولية بالمحاسبة”. وفي هذا السياق، يتمتع الملك بسلطات تنفيذية وسيادية، لكنه لا يتدخل في كل صغيرة وكبيرة، بل يمارس صلاحياته وفق ما يحدده الدستور.

والفصل 42 من الدستور يوضح أن “الملك هو رئيس الدولة، وممثلها الأسمى، ورمز وحدة الأمة، ضامن دوام الدولة واستمرارها، والحكم الأسمى بين مؤسساتها”. كما ينص على أن “يسهر على احترام الدستور، وحسن سير المؤسسات الدستورية”.

وأيضا يمنح الفصل 51 من الدستور للملك صلاحية حل مجلسي البرلمان، لكنه يربط ذلك بشروط واضحة: “يمكن للملك، بعد استشارة رئيس المحكمة الدستورية، أن يحل مجلسي البرلمان أو أحدهما بظهير، وفق الشروط المنصوص عليها في هذا الدستور”. هذا يعني أن القرار لا يتخذ بشكل ارتجالي، بل يخضع لضوابط دستورية، منها الاستشارة القضائية، واحترام السياق السياسي والمؤسساتي.

أما فيما يخص إقالة الحكومة، فالفصل 47 ينص على أن “يعين الملك رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب، وعلى أساس نتائجها، ويعين أعضاء الحكومة باقتراح من رئيسها”. ويضيف أن “للملك، بمبادرة منه، بعد استشارة رئيس الحكومة، أن يعفي عضوا أو أكثر من أعضاء الحكومة من مهامهم”.

لكن إقالة رئيس الحكومة نفسه تخضع لمنطق سياسي ودستوري مختلف. فالفصل 47 يشير إلى أن “رئيس الحكومة يمكنه أن يطلب من الملك إعفاء عضو أو أكثر من أعضاء الحكومة”، أما إعفاء رئيس الحكومة كاملا، فيرتبط إما باستقالته أو بحدث سياسي كبير، مثل فقدان الأغلبية البرلمانية أو فشل حكومي جسيم، وهو ما قد يدفع الملك إلى التدخل لضمان استمرارية الدولة، بعد استشارة المؤسسات المعنية..

فالملك، وبصفته ضامنا لاستمرارية الدولة، يتدخل حين تقتضي الضرورة، لكن ضمن إطار دستوري صارم. فصلاحياته ليست مطلقة، بل مقيدة بنصوص واضحة، توازن بين السيادة الملكية والشرعية الديمقراطية. والقول بأن الملك “يقيل الحكومة متى شاء” أو “يحل البرلمان دون ضوابط” هو تبسيط مخل، لا ينسجم مع روح الدستور المغربي لسنة 2011، الذي جاء تتويجا لحراك شعبي ومطالب إصلاحية عميقة.

وعليه، فالجدل حول صلاحيات الملك يجب أن يقرأ في ضوء الدستور، لا في ضوء الانطباعات أو الحسابات السياسية. فالمملكة المغربية اختارت مسارا دستوريا متوازنا، يجعل من الملك ضامنا للاستقرار، لا طرفا في الصراعات الحزبية. وأي نقاش جاد حول هذه الصلاحيات ينبغي أن ينطلق من النصوص، لا من التأويلات.

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.