إشراقة نيوز: بوسلهام الكريني
يخلد العالم في 24 مارس من كل سنة اليوم العالمي للحق في معرفة الحقيقة، وهو مناسبة أممية تستحضر قيمة أساسية من قيم العدالة والحرية: حق المواطن في الوصول إلى المعلومة الصحيحة، وكشف الانتهاكات، ومساءلة المسؤولين. هذا الحق ليس مجرد شعار، بل هو مبدأ دستوري منصوص عليه في الفصل 27 من الدستور المغربي الذي يقر بوضوح حق المواطنين في الحصول على المعلومات الموجودة في حوزة الإدارات العمومية والمؤسسات المنتخبة والهيئات المكلفة بمهام المرفق العام.
لكن حين ننزل من مستوى النصوص إلى واقع الممارسة، نجد أن مدينة سيدي سليمان تعيش حالة صارخة من التعتيم والتضليل. فالمواطنون هناك يواجهون يوميا غياب الشفافية في تدبير الشأن المحلي، حيث تحجب الحقائق المتعلقة بالصفقات العمومية، وتطمس المعطيات حول المشاريع التنموية، ويمارس نوع من “التسويق الإعلامي” الذي يلمع صورة المسؤولين بينما الواقع يشي بانهيار البنية التحتية، وتردي الخدمات الصحية والتعليمية، وانتشار البطالة.
إن ما يحدث في سيدي سليمان هو ضرب عرض الحائط لمقتضيات الدستور، الذي لم يأت كزينة قانونية بل كعقد اجتماعي ملزم. فحين يحرم المواطن من المعلومة، يحرم من القدرة على المحاسبة، ويحرم من المشاركة الواعية في الحياة العامة. هذا التعتيم يفتح الباب أمام الفساد والزبونية، ويجعل من المؤسسات المحلية فضاء مغلقا لا يخضع إلا لمنطق المصالح الضيقة.
ويزداد الوضع سوءا حين يتواطأ جزء من الإعلام المحلي مع هذا التعتيم، فيتحول من سلطة رابعة إلى أداة تبرير وتزييف. بدل أن يكشف الحقائق ويعطي صوتا للمواطنين، ينخرط في صناعة الوهم وترويج بيانات رسمية لا تعكس الواقع. وهنا يظهر الفرق بين الصحافة المهنية التي تحترم أخلاقيات المهنة، والصحافة “المسخرة” التي تساهم في تكريس الجهل واللامبالاة.
إن اليوم العالمي للحق في معرفة الحقيقة ليس مجرد ذكرى رمزية، بل هو دعوة إلى مساءلة الذات: كيف يمكن لمدينة مثل سيدي سليمان أن تستمر في سياسة التعتيم بينما العالم يحتفي بالشفافية؟ كيف يمكن لمسؤولين محليين أن يتحدثوا عن التنمية وهم يحجبون أبسط المعلومات عن المواطنين؟ وكيف يمكن للمجتمع المدني أن يؤدي دوره في غياب الحقائق؟
إن الحق في معرفة الحقيقة ليس ترفا، بل هو شرط أساسي لبناء دولة القانون. وسيدي سليمان اليوم تقدم مثالا مؤلما على ما يحدث حين يغيب هذا الحق: فساد، تهميش، وانعدام ثقة بين المواطن والمؤسسات. لذلك، فإن إحياء هذا اليوم العالمي يجب أن يكون مناسبة لرفع الصوت عاليا: لا تنمية بدون شفافية، ولا ديمقراطية بدون حق في المعلومة، ولا عدالة بدون كشف الحقيقة.



قم بكتابة اول تعليق