إشراقة نيوز: بوسلهام الكريني
تعيش الإدارة العمومية في المغرب، وخاصة على مستوى الجماعات المحلية، أزمة ثقة حقيقية بين المواطن والموظف، وبين الموظف والرئيس المنتخب. هذه الأزمة تتجلى بوضوح في سيدي سليمان، حيث يشتكي المواطنون من ضعف الخدمات، ويعزو كثيرون ذلك إلى سوء تدبير الموارد البشرية داخل البلدية.
فمن المفترض أن يكون الموظف العمومي في موقع يتناسب مع تكوينه العلمي وخبرته المهنية، لكن الواقع يكشف عن مفارقات صارخة، فنجد المهندس يشتغل في مكتب صحي، والمجاز في الحقوق يتولى مهام الهندسة، وخريج الأداب يشتغل في المصلحة القانونية وايضا خريج مركز التاهيل المهني تخصص إعلاميات يترأس مصلحة التعمير والأشغال الكبرى.ولم لا فأحيانا تجد أميا لا يعرف القراءة والكتابة يتقلد مسؤولية في الشرطة الإدارية.
هذه الوضعية لا تعكس فقط سوء توزيع المهام، بل تكشف عن غياب رؤية واضحة في تدبير الموارد البشرية، حيث يصبح الولاء للرئيس أهم من الكفاءة والخبرة.
كل رئيس يتقلد منصب تسيير البلدية يعيد هيكلة الإدارة حسب هواه، فيقرب الموالين ويبعد المعارضين، ويضع “أهل الثقة” في المناصب الحساسة، بينما ينفى الآخرون إلى مهام هامشية. هذا السلوك يفرغ الإدارة من مضمونها المهني ويحولها إلى فضاء لتصفية الحسابات السياسية والشخصية، على حساب مصالح المواطنين.
والنتيجة الطبيعية لهذا العبث هي خدمات ضعيفة، تأخر في معالجة الملفات، وغياب الشفافية في القرارات. والمواطن، الذي يلجأ إلى الإدارة لقضاء مصالحه، يجد نفسه أمام موظف غير مختص، أو أمام مسؤول يفتقر إلى الكفاءة، فيتضاعف شعوره بالغبن والإحباط.
يبقى السؤال المطروح: هل لعامل الإقليم سلطة التدخل لحماية الموظفين من تعسف الرؤساء المنتخبين؟ من الناحية القانونية، العامل يمثل سلطة المراقبة والتأطير، لكن في الواقع، كثيرا ما يترك الموظفون لمصيرهم، في مواجهة ضغوط سياسية وإدارية لا طاقة لهم بها. غياب تدخل فعال يجعل من الموظف مجرد “بيدق شطرنج” يحركه الرئيس كيفما شاء.
إن إصلاح الإدارة المحلية لا يمكن أن يتحقق إلا باعتماد مبدأ الرجل المناسب في المكان المناسب، وربط المهام بالتخصصات. وتعزيز آليات المراقبة والمحاسبة، حتى لا يبقى الرئيس فوق القانون. إضافة إلى تكوين مستمر للموظفين، لضمان تطوير مهاراتهم بما يتناسب مع حاجيات المواطنين. وايضا إشراك المجتمع المدني والإعلام المحلي في فضح الاختلالات ومساءلة المسؤولين.
وما يحدث في سيدي سليمان ليس حالة معزولة، بل هو صورة مصغرة لأزمة وطنية في تدبير الشأن المحلي. المواطن يستحق إدارة كفؤة وشفافة، والموظف يستحق أن يعامل وفق كفاءته لا وفق ولائه. لقد آن الأوان لإعادة الأمور إلى نصابها، وإرساء قواعد تسيير حديثة تجعل من الجماعة المحلية فضاء لخدمة المواطن لا لتكريس العبث.



قم بكتابة اول تعليق