إشراقة نيوز: الغلاء الذي يرزح تحته المغاربة اليوم لا ينبغي أن يفهم فقط باعتباره نتيجة عادية لارتفاع الأسعار أو لتقلبات السوق، لأن هذا الفهم، على ما فيه من بعض الصحة، يظل قاصرا عن ملامسة أصل المشكل. فالحقيقة أن جزءا مهما من هذا الغلاء لا يتولد فقط من كلفة الإنتاج أو من الظروف المناخية أو من اضطراب الأسواق الدولية، بل يتولد كذلك داخل السوق الوطنية نفسها، وتحديدا في المسافة الفاصلة بين المنتج والمستهلك.
ففي هذه المسافة الطويلة والمتشعبة تنتعش فئة من الوسطاء الذين لا يكتفون بأداء دور تجاري مشروع، بل يتحولون أحيانا إلى مستفيدين رئيسيين من غياب تنظيم صارم وشفاف لمسالك التوزيع والتسويق، بحيث يصبح الفلاح يبيع بأثمنة ضعيفة، ويشتري المواطن بأثمنة مرتفعة، بينما تضيع بين الطرفين هوامش واسعة لا يملك المستهلك أي وسيلة حقيقية لفهمها أو مراقبتها.
وربما غواية البحث القانوني قادتني الى الاهتمام بهذا المجال رم ان هناك العديد من الأساتذة الاجلاء في قانون حماية المستهلك لم يضعوا يدهم وبالاحرى أقلامهم السيّالة على جرح قانون التوزيع .
ومن هنا يبدو واضحا أن قانون حماية المستهلك، على أهميته، لا يكفي وحده لحماية المواطن من هذا الحيف. فهذا القانون يتدخل أساسا في آخر السلسلة، أي حين يصل المنتوج إلى يد المستهلك، فيمنحه بعض الحقوق المتعلقة بالإعلام والشفافية والشكاية وبعض صور الحماية من الممارسات التجارية غير المشروعة، لكنه لا يعالج بما يكفي المرحلة الأهم، وهي المرحلة التي تتشكل فيها الأسعار أصلا داخل شبكة معقدة من الوسطاء ومسالك التسويق وهوامش الربح. ولذلك فإن الحديث عن حماية المستهلك، من غير الحديث عن إصلاح التوزيع، يظل حديثا ناقصا ونغمة نشاز، لأن المستهلك لا يتضرر فقط من غياب المعلومة أو من الغش، بل يتضرر قبل ذلك من سوق غير واضحة، ومن مسارات تجارية غير مضبوطة، ومن تعدد حلقات الوساطة التي ترفع السعر من غير أن تضيف دائمًا قيمة حقيقية موازية.
وفي تقديري، فإن المغرب في حاجة إلى نقاش جدي حول ضرورة الانتقال من مجرد حماية المستهلك بمعناها التقليدي إلى بناء إطار قانوني أوضح لتنظيم التوزيع والتسويق الداخلي، على غرار ما هو معمول به في عدد من الدول التي أدركت أن السوق لا تحمي نفسها بنفسها، وأن حرية المبادرة لا تعني ترك المستهلك تحت رحمة الفوضى والوسطاء والمضاربة. فحين تغيب القواعد الدقيقة التي تضبط من يتدخل في السلسلة التجارية، وكيف يتدخل، وبأي هامش، وتحت أي رقابة، يصبح الغلاء في جزء منه نتيجة مباشرة لفراغ تنظيمي تستفيد منه فئات محددة على حساب القدرة الشرائية للأسر.
ما يزيد هذا الإشكال وضوحا أن المغرب، إلى اليوم، لا يتوفر على قانون متكامل وواضح للتوزيع والتسويق الداخلي يضبط بصورة دقيقة العلاقة بين المنتج والوسيط والموزع، وينظم الهوامش ومسالك التسويق والشفافية في تكوين الأسعار. الموجود هو نصوص متفرقة تتعلق بحماية المستهلك أو بحرية الأسعار والمنافسة أو بالتجارة الداخلية، لكنها لا ترقى إلى إطار قانوني موحد يعالج أصل الخلل في السلسلة التجارية، خاصة في المواد الغذائية والخضر. وهذا ما يجعل السوق مفتوحة أمام تضخم عدد الوسطاء، وأمام استفادتهم من مناطق رمادية لا يطالها الضبط الكافي.
أما في فرنسا،- وهنا يفرض علي مجال الاشتغال النموذج الفرنسي – فالأمر مختلف، إذ توجد نصوص فعالة داخل قانون التجارة وفي قوانين خاصة هدفت إلى إعادة التوازن في العلاقات التجارية بين الموردين والموزعين، ومن ذلك قانون 30 مارس 2023 الذي عزز هذا التوازن، ضمن مسار تشريعي فرنسي يعترف بأن حماية المستهلك لا تكون فقط عند نقطة البيع، بل تبدأ من تنظيم التوزيع نفسه وضبط القوة التفاوضية داخل السلسلة التجارية. ومن هنا، فإن ما نحتاجه في المغرب ليس فقط مزيدا من الخطاب حول حماية المستهلك، بل قانونا حقيقيا للتوزيع يقطع مع فوضى الوسطاء ويجعل السوق أكثر عدلا وشفافية.
إن ما أكتبه هنا ليس حكما نهائيا، ولا ادعاء بالإحاطة بكل جوانب الملف، بل هو مجرد تنبيه أولي إلى أن الغلاء في المغرب ليس فقط شأنا اقتصاديا صرفا، بل هو أيضا قضية قانونية ومؤسساتية وتنظيمية، وأن معالجة آثاره تقتضي النظر إلى جذوره الحقيقية، لا الاكتفاء بتوصيف نتائجه. ولهذا فأنا بصدد إعداد مقال مطول ومفصل في الموضوع، أحاول فيه بسط الإشكال من زاوية قانونية واقتصادية، وبيان كيف أن تعدد الوسطاء وغياب قانون واضح وفعال للتوزيع يساهمان في إنهاك المستهلك المغربي وإضعاف موقعه داخل السوق.
وللمهتمين بهذا الموضوع، والراغبين في أن يتحول إلى موضوع نقاش عمومي جاد، بل إلى أحد ملفات الساعة التي تستحق أن تفرض نفسها في الرأي العام، يمكنهم التواصل معي. فبعض القضايا لا يكفي أن نشتكي منها في المجالس الخاصة أو على الهامش، بل تحتاج إلى أن ترفع إلى مستوى النقاش الوطني، لأن ما يتعلق بقوت الناس ومعيشتهم اليومية ليس تفصيلا عابرا، بل صميم السؤال الاجتماعي الذي لا يستقيم أي إصلاح من دونه.



قم بكتابة اول تعليق