بوسلهام الكريني يكتب: قراءة تحليلية في كتاب: “المقتضب من أخبار الصوائف وفتوحات المسلمين من بداية عصر الولاة بالأندلس إلى نهاية حكم خلائف قرطبة الأمويين” لمؤلفه الأستاذ عبد الإله الكحييل

إشراقة نيوز: بوسلهام الكريني

بناء على الكلمة المقتضبة التي ألقاها المؤرخ والأديب الأستاذ عبد الإله الكحييل في حفل تقديم وتوقيع كتابه: “المقتضب من أخبار الصوائف وفتوحات المسلمين من بداية عصر الولاة بالأندلس إلى نهاية حكم خلائف قرطبة الأمويين”، وحيث تعذر علينا قراءة مؤلفه هذا في الوقت الحالي، يمكن تلخيص ما جاء في كلمته وتقديم دراسة تحليلية نقدية وعلمية تاريخية لما ورد فيها على النحو التالي:

أولا: أوضح المؤلف أن هذا الكتاب يأتي بعد إصداره الأول “المعتبر من الأخبار عن سقوط غرناطة وعن الموريسكيين باختصار”، وينطلق من تعلقه ببلاد الأندلس (التي عاش فيها فترة) لتوثيق مسار الوجود الإسلامي من البداية (الفتح وعصر الولاة) كمكمل لبحثه السابق حول السقوط والمأساة الموريسكية.

ويتناول هذا الكتاب فترة ممتدة من بداية “عصر الولاة” (عام 95 هـ) مرورا بـ”عصر الإمارة” إلى نهاية “عصر خلائف قرطبة الأمويين” (الخلافة). ويركز على مظاهر الاحتكاك العسكري، وخاصة “الصوائف” (وهي الغزوات والحملات العسكرية التي كانت تشن صيفا) وضدها الشواتي.

وقد أشار الكحييل إلى أن الفاتحين المسلمين تمكنوا من السيطرة على معظم شبه الجزيرة الإيبيرية، باستثناء جزء صغير في الشمال استصغروه ولم يعيروه أهمية (منطقة جليقية وأستورياس)، فكان هذا الجزء النواة الأولى والركيزة التي انطلقت منها لاحقا حركة “الاسترداد المسيحي” التي توسعت لتصبح ثلاث ممالك في عصر الخلافة (جليقية، ونبرة، وقشتالة).

هذا، وقد اعتمد المؤلف على أمهات المصادر الأندلسية والمغربية القديمة (مثل ابن القوطية، ابن حيان، ابن حزم، ابن بسام، ابن الأبار، ابن عذاري، ابن الخطيب، المقري، وابن خلدون). وقام بالمقارنة بين:

* الرواية العربية الأندلسية: التي وصفها بالدقة، الواقعية، والإنصاف والبعد عن التحامل والتعصب.

* الرواية النصرانية (القرون الوسطى): التي كتبها رجال الكنيسة والأحبار، واتسمت بالتعصب والنزعة العرقية والأسلوب الخرافي والتناقض، وظلت سائدة في الغرب حتى القرن 18 بسبب منع البحث في المصادر العربية.

ولخص المؤلف العوامل التي أضعفت الدولة المروانية (الأموية) في الأندلس وأدت لتوقف الصوائف في: الصراعات العرقية والقبلية ( بين القيسية واليمانية )، والنزاعات بين العرب والبربر (الأمازيغ)، بالإضافة إلى الثورات الداخلية المتكررة.

وتجدر الإشارة إلى أن الأستاذ عبد الإله الكحييل اعتمد في كتابته هذا على أسلوب “الاقتضاب” (الاختصار والتلخيص دون إغفال التفاصيل الهامة)، والتزم التراتبية الزمنية، والحياد العلمي بعيدا عن العواطف، والتثبت من الروايات من مصادرها الأصلية.

ومن خلال القراءة التحليلية للمحاور التي طرحها المؤرخ عبد الإله الكحييل، يمكن استنباط وتفكيك الأبعاد العلمية والتاريخية التالية:

  1. القيمة العلمية للمنهج التكاملي (من الفتح إلى السقوط)

ينم منهج الكحييل عن رؤية “تكاملية” للتاريخ؛ فدراسته للبدايات (عصر الولاة والإمارة والخلافة) جاءت كحاجة علمية لتفسير النهايات (سقوط غرناطة والمأساة الموريسكية).

تاريخيا، لا يمكن فهم أسباب السقوط الدراماتيكي للأندلس دون تتبع بذور الضعف العسكري والسياسي والاجتماعي التي زرعت في عصور القوة والازدهار.

  1. نقد “الاستصغار الجيوسياسي” ونظرية النواة النصرانية

أصاب المؤلف في تشخيص ثغرة تاريخية كبرى أجمع عليها المؤرخون، وهي معركة مغارة بلاط الشهداء شمالا بقيادة بلاي أو بلايو وهي ما سميت بمعركة “كوفادونغا”، حيث استصغر المسلمون هذه المنطقة الجبلية وقد تحصن بها ثلاثون رجلا، قال عنهم المسلمون: “ثلاثون علجا ما عسى أن يكون أمرهم”. فبلغ أمرهم بعد ذلك من القوة والكثرة ما لا خفاء به…

تحليليا: هذا الاستصغار يعكس قصور الرؤية الاستراتيجية بعيدة المدى لدى بعض الولاة؛ إذ تحولت تلك الصخرة المعزولة إلى قاعدة لوجستية وأيديولوجية أدت لولادة ممالك (أستورياس، ليون، قشتالة) التي قادت لاحقا حروب الاسترداد..

  1. التحليل النقدي للمصادر والمقارنة السردية:

قدم الكحييل نقدا معرفيا (إبستيمولوجيا) هاما لآلية تدوين تاريخ الأندلس:

  • إنصاف الرواية العربية: ركز الكاتب على أن المدونات الإسلامية اتسمت بالواقعية التوثيقية، وهو أمر يوافق عليه العديد من المستشرقين المنصفين؛ فالإخباريون المسلمون كانوا يدونون بدقة تفاصيل الهزائم والانتصارات على السواء.
  • تفكيك السردية الكنسية: حيث بين المؤلف أن التأريخ النصراني الوسيط كان “تأريخا تعبويا كنسيا” محكوما بالخرافات والعداء الديني. هذا الطرح يتماشى مع المدرسة التاريخية الإسبانية الحديثة والمراجعات النقدية التي انتقدت الأساطير التي نسجتها الكنيسة لتبرير الطرد العرقي والمجازر.
  1. سوسيولوجيا الأندلس والهوية الهجينة:

لمس الكحييل نقطة غاية في الأهمية التاريخية حينما أشار إلى أن طرد المسلمين (الموريسكيين لاحقا) كان طردا “لعرق جديد مختلط” (إسبان مسلمين، نتاج تزاوج وتوالد العرب والأمازيغ وأهل البلاد الأصليين طيلة قرون).

تاريخيا ونقديا: يفكك هذا الطرح السردية القومية الإسبانية المتعصبة التي تحاول تصوير المسلمين كـ”مستعمرين أجانب” وجب طردهم، مؤكدا أن الحضارة الأندلسية كانت حضارة “أندلسية الأرض والهوية”، وأن الطرد كان بمثابة بتر لجزء أصيل من النسيج البشري والاجتماعي لإسبانيا نفسها، مما تسبب لها بنكسة اقتصادية وثقافية واضحة في العصر الحديث.

  1. الأسباب الهيكلية لتوقف “الصوائف” والفتوحات:

إرجاع المؤلف توقف المد العسكري إلى الصراعات الداخلية (قيسية ويمانية / عرب وبربر) هو تحليل علمي دقيق يبتعد عن “العاطفية والخطاب التبريري الميتافيزيقي”.

تحليليا: الأندلس أنهكت داخليا قبل أن تهزم خارجيا. العصبية القبلية الشامية واليمنية التي نقلت من المشرق إلى المغرب والأندلس، والتمييز الأرستقراطي الذي عانى منه البربر (رغم أنهم عماد جيش الفتح)، والثورات المتلاحقة (مثل ثورة عمر بن حفصون)، كلها عوامل جعلت “الصوائف” تتحول من حملات “فتوح وتوسع وجهاد خارجي” إلى مجرد “حملات تأديبية داخلية” لحفظ الأمن وجباية الطاعة، مما سمح للممالك النصرانية بالنمو في الشمال مستغلةً هذه التصدعات الإثنية والسياسية.

خلاصة

يعد كتاب عبد الإله الكحييل – من خلال ما لخصه في كلمته- محاولة جادة لإعادة قراءة التاريخ العسكري والسياسي للأندلس بعيون مغربية-أندلسية معاصرة، تعتمد على التثبت والمنهج المقارن. وتكمن قيمته العلمية في قدرته على تتبع الخيوط الخفية التي ربطت بين “ثغرات البدايات” (في عصر الولاة) و”مآسي النهايات” (سقوط قرطبة ثم غرناطة)، مقدما دراسة موضوعية تعري البروباغندا الكنسية التاريخية، وتبرز في الوقت ذاته الأخطاء الذاتية والصراعات الداخلية التي أودت بالفردوس المفقود.

كلمة المؤلف:

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.