إشراقة نيوز: محمد الهاشمي
في الوقت الذي ترفع فيه وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة شعارات “المدرسة الرقمية” وتيسير الخدمات عبر التكنولوجيا، تضع “الرقمنة غير المكتملة” مستقبل مئات التلاميذ في المناطق القروية على كف عفريت.
آخر فصول هذه المعاناة تجسدت في الصرخة الاستعجالية التي وجهها السيد محمد الهاشمي، المستشار الجماعي بجماعة بني وليد بإقليم تاونات، عبر رسالة مفتوحة إلى وزير التربية الوطنية والمسؤولين الجهويين والإقليميين بجهة فاس-مكناس، يطالب فيها بالتدخل الفوري لإنقاذ الموسم الدراسي لتلاميذ ينتظرهم شبح الهدر المدرسي بسبب “عطب تقني”.
وتكمن المفارقة الصادمة في أن منظومة “مسار” الرقمية، التي أُحدثت لتسهيل الإجراءات، تحولت هذا الصيف إلى جدار سميك يحرم تلاميذ العالم القروي والدواوير المعزولة بجماعة بني وليد من حقهم الأساسي في التسجيل بالقسم الداخلي.
الرسالة المفتوحة وضعت الإصبع على الداء بدقة؛ فقرار حصر التسجيل في المنصة الرقمية لم يأخذ بعين الاعتبار الواقع المرير لـ “المغرب العميق”. نحن نتحدث عن مناطق يعاني أهلها الأمرين:
- عزلة رقمية: ضعف حاد أو انعدام تام لشبكة الإنترنت في المداشر والمداشر المعزولة.
- استنزاف مادي وجسدي: يضطر آلاف الآباء والأمهات إلى التنقل يوميا نحو مراكز الجماعات أو المدن المجاورة، متحملين مصاريف نقل إضافية في ظروف معيشية خانقة، فقط ليصطدموا بعبارة “المنصة معطلة”.
- أعطاب تقنية متكررة: رغم اعتراف الوزارة الضمني بالأزمة وتمديدها لآجال التسجيل، إلا أن التمديد ظل حبرا على ورق ما دامت المنصة عاجزة عن استيعاب الطلبات أو معطلة في وجه المرتفقين.
إن السؤال الجوهري والمشروع الذي طرحته رسالة المستشار الجماعي يضرب في عمق الفلسفة التعليمية بالمغرب: “هل يعقل أن يؤدي التلاميذ والتلميذات ثمن خلل في منظومة معلوماتية؟”
إن الحق في التعليم ليس ترفا، والاستفادة من الداخليات في إقليم جبلي وصعب التضاريس مثل تاونات ليس امتيازا، بل هو شريان الحياة الوحيد الذي يضمن استمرار الفتيات والفتيان في التحصيل الدراسي. وحرمان أي تلميذ من الداخلية بسبب “منصة معطلة” لا يمكن تصنيفه مجرد عطب تقني عابر، بل هو ضرب صارخ لمبدأ تكافؤ الفرص وضمان العدالة المجالية التي ينص عليها الدستور.
الرسالة لم تكتف بتشخيص الداء، بل قدمت للمسؤولين حلولا عملية تنم عن روح المسؤولية والقرب من واقع الساكنة، وهي مقترحات نتبناها من منبرنا الصحفي ونضعها على طاولة الوزارة الوصية:
- المرونة الإدارية: اعتماد التسجيل الورقي المؤقت فورا على مستوى المؤسسات التعليمية أو المديريات الإقليمية كبديل إنقاذي، إلى حين إصلاح الأعطاب التقنية بشكل نهائي.
- الزمن الافتراضي مقابل الزمن الواقعي: تمديد فترة التسجيل إلى غاية بداية شهر شتنبر لتعويض الأيام الضائعة بسبب توقف المنصة.
- الدعم التقني الميداني: تفعيل قنوات تواصل مباشرة ووحدات متنقلة في الجماعات القروية لمساعدة الأسر التي لا تملك ثقافة رقمية أو وسائل ولوج للإنترنت.
إن صرخة ساكنة بني وليد عبر ممثلها الجماعي هي عينة صغيرة مما يحدث في عدة مناطق قروية بالمملكة. وإن التحديث الرقمي لقطاع التعليم خطوة محمودة، بشرط ألا يتحول إلى أداة إقصاء طبقي وجغرافي.
وعلى وزير التربية الوطنية والمدير الجهوي بفاس- مكناس والمدير الإقليمي بتاونات إلغاء الصرامة البيروقراطية الجافة والتعامل بمرونة وإنسانية مع هذا الملف الاستعجالي؛ فمستقبل أبناء المغرب القروي أهم بكثير من إنجاح إحصائيات منصة رقمية.



قم بكتابة اول تعليق