بوسلهام الكريني يكتب: السياسة في سيدي سليمان.. حين يطغى “التدحرج الانتخابي” وتحارب الكفاءات

إشراقة نيوز: بوسلهام الكريني

مع انطلاق كل استحقاق انتخابي، تفتح المشاهد السياسية في المغرب نوافذها على نقاشات جادة حول جدوى الممارسة الحزبية وجاذبية البرامج الانتخابية. غير أن الشارع المحلي بإقليم سيدي سليمان يعيش على وقع استثناء محزن؛ استثناء لا تتنافس فيه الرؤى التنموية قدر ما تتصارع فيه المصالح الشخصية، وتطغى عليه مظاهر “التسليع السياسي” عبر تحويل المقرات الحزبية إلى “أكشاك موسمية” تفتح أبوابها بفتح أبواب الترشح، وتغلق بمجرد إعلان النتائج.

إن المقاربة التي تحكم دخول بعض الوجوه للسباق نحو القبة البرلمانية تتجاهل بشكل صارخ طبيعة ووظيفة هذه المؤسسة الدستورية. فالبرلمان ليس مجالا لتوسيع شبكة العلاقات العامة أو مكانا لحماية المصالح الذاتية، بل هو الفضاء الأسمى للتشريع، ومناقشة السياسات العمومية الوطنية، والترافع عن قضايا الإقليم على مستوى وطني يتطلب التمكن المعرفي والقانوني.

وعندما تمحى الخطوط الفاصلة بين “إدارة الشأن المحلي” و“التشريع الوطني”، يصبح الترشح تطاولا غير محسوب؛ إذ كيف لمن فشل في تدبير ملفات جماعية بسيطة أو عجز عن إحداث شراكات تنموية محليا أن يقارع أعضاء الحكومة، ويناقش قوانين المالية، ويفكك تعقيدات الميزانيات؟

إن القضية هنا لا تتوقف عند حدود “الأمية الأبجدية”، بل تتعداها إلى ما هو أخطر: “الأمية السياسية والقانونية”. فعندما يغيب الحد الأدنى من الثقافة الدستورية لدى النائب، يتحول دوره داخل البرلمان إلى مجرد رقم في التوصيت، أو مقعد شاغر يسهم في تعميق ظاهرة غياب البرلمانيين عن الشأن العام المحلي، دون أن يترك بصمة تذكر في سجل الترافع الإقليمي.

وتطرح الدينامية الانتخابية بسيدي سليمان علامات استفهام كبرى حول الخلفيات التي تبعد أصحاب الشواهد العليا والكفاءات القانونية والمهنية عن تصدر المشهد.

إن منطق التدافع السياسي المحلي شهد – حسب قراءات المتابعين – نوعا من الفرز العكسي الذي حارب الأطر والمثقفين من محامين أمثال الأستاذ مصطفى حموبل ودكاترة في التدبير والاقتصاد أمثال هشام حمداني ومقاولين أمثال محمد العروصي، وفضل عليهم خيارات سهلة التوجيه من الأميين الذين ينبطحون للأوامر ويوجهون حسب رغبات جهات معينة.

هذا التهجير القسري للكفاءات عن التدبير العام لم يكن وليد المصادفة، بل نتيجة لسيطرة منطق “التحكم عن بعد”، حيث يراد لمؤسسات المجالس أن يسيرها من يسهل الخضوع والامتثال لتعليمات الموظفين والسلطات الإدارية، بدلا من الفاعلين المستقلين القادرين على ممارسة التسيير بعز القانون وتطبيق الحكامة التنموية.

إن القياس الأقرب للواقع يكمن في مبدأ التخصص. فكما لا يمكن تسليم حرج جراحي لغير أهل الطب، ولا توكيل قضايا مصيرية لغير المتخصصين في القضاء، كذلك لا يجوز الاستهانة بمصير إقليم بكامله عبر تسليم زمام التشريع والترافع لمن يفتقد للقدرة والملاءمة السياسية.

لقد حان الوقت لوعي جماعي من ساكنة سيدي سليمان وكتلتها الناخبة لقطع الطريق أمام “سماسرة الانتخابات”، والقطع مع منطق العاطفة أو تبادل المنافع الضيقة، والعمل من أجل شعار واحد: “لا للأمية”.

إن إعادة الاعتبار للهيئات المنتخبة وإرجاع الهيبة للمؤسسة التشريعية يتطلبان الوقوف في وجه ظاهرة “التدحرج السياسي”، والمطالبة الصريحة بتقديم الكفاءات الوطنية المتعلمة، لتكون لسيدي سليمان أصوات قوية ترافع بحق، لا وجوه غائبة تحضر فقط في سجلات الغياب.

 

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.