بوسلهام الكريني يكتب: بين بريق الاحتفالات وظلمة اليم.. المغاربة يرسمون بالهروب الجماعي حصيلة ربع قرن

إشراقة نيوز: بوسلهام الكريني

بينما تنشغل المنابر الرسمية وشاشات التلفزة بعرض لوحات “الإنجازات العظيمة” وتعداد مصانع السيارات والموانئ العملاقة بمناسبة الذكرى السابعة والعشرين لعيد العرش المجيد، تصر وسائل التواصل الاجتماعي على فرض “إطار” آخر للصورة. صورة لا يغطيها الغبار بل يبللها ملح البحر، وتكشف، بصدق جارح، عن الوجه الآخر للحصيلة، حيث يختصر الشباب المغربي طموحاته لا في وظيفة أو سكن، بل في رحلة “انتحارية” نحو الضفة الأخرى من المتوسط.

ليست الصورة المنتشرة لشابتين مغربيتين بملابس الغوص ترفعان علامة النصر مجرد لقطة “تيك توك” طائشة. إنها، في عمقها التحليلي، تجسيد حي وسخرية سوداء من مفهوم “الإنجاز” ذاته. حينما يصبح الهروب من الوطن هو “أعظم إنجاز” يمكن أن يحققه الشاب، فإن ذلك يمثل إدانة صريحة لمنظومة بأكملها فشلت في تحويل بريق “الإصلاحات” إلى طعام على موائد الأسر البسيطة.

المقارنة هنا ليست خيارا، بل ضرورة يفرضها السياق الزمني. ففي الوقت الذي يتم فيه تقييم “27 سنة من الإنجازات”، يبدو أن الفئة التي تمثل مستقبل الأمة قد وضعت تقييمها الخاص: حصيلتكم مصانع وطرقات، وحصيلتنا “قوارب الموت”. هذه الفجوة الهائلة بين “المغرب الرسمي” و”المغرب الحقيقي” هي التي يجب أن تثير القلق الرعدي في مكاتب صناع القرار.

فلا يمكن فصل موجات الهجرة الحالية عن السياسات العمومية التي انتهجتها الحكومات المتلاحقة، وخاصة الحكومات الأخيرة التي تميزت بتكنوقراطية “جافة” تفتقد للحس الاجتماعي. حكومة يتهمها منتقدون بأنها نجحت في ضبط التوازنات الماكرو-اقتصادية، لكنها فشلت فشلا ذريعا في ضبط توازنات “العيش الكريم”.

لقد زرعت هذه السياسات، المعتمدة على خوصصة القطاعات الاجتماعية وتجميد الأجور في ظل تضخم غير مسبوق، شعورا عارما بالغل والإحباط. فالشاب المغربي لا يعاني فقط من البطالة، بل يعاني من “الحكرة” (شعور بالظلم والإقصاء) عندما يرى خيرات بلاده تعرض على الشاشات، بينما يجد نفسه عاجزا عن تأمين أبسط حقوقه. إنها حكومة فاشلة، ليس بالأرقام فقط، بل في الحفاظ على “السلم النفسي” لشعبها.

إن التحذير من أن الحكام “ستصبحون يوما ولن تجدوا شعبا تحكموه” ليس مجرد استعارة بلاغية. إنه تحذير جيوسياسي واقعي. فالدولة لا تبنى بالإسمنت فقط، بل بالبشر. وحينما تفرغ البلاد من كفاءاتها وشبابها، فإنها تفرغ من سيادتها المستقبلية.

لقد حان الوقت لمراجعة الحسابات قبل فوات الأوان. لا يمكن الاستمرار في تسويق نموذج تنموي يعتبر الشعب “ديكورا” للاحتفال بإنجازات نخبوية. إن العيش الكريم ليس “امتيازا” يمنح، بل هو “حق” ينتزع، وإذا لم توفره الدولة في اليابسة، فسيظل الشباب يبحث عنه في عرض البحر، حتى لو كلفه ذلك حياته.

وفي نهاية المطاف، فإن الرمزية القاسية التي تطرحها الدينامية الحالية هي أن “الزودياك” قد لا يبقى حصرا على الشباب المغلوب على أمره. إنها نبوءة سوداء بأن الأنظمة التي لا تحمي شعوبها بالعيش الكريم وتقابل مطالبهم بالقمع والاضطهاد والنهب ستجد نفسها يوما ما تبحث، هي أيضا، عن “شعب آخر” لتقمعه، أو قارب للهروب من طوفان الغضب الشعبي.

إن الاحتفال الحقيقي بعيد العرش يجب أن يكون بالاستماع إلى نبض الشارع، وليس بصخب الطبول. الاحتفال يكون بجعل المغرب وطنا يعاش فيه، لا وطنا يهرب منه.

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.