إشراقة نيوز: محمد الهاشمي
تتوالى فصول الأزمات المرتبطة بتدبير الموارد المائية في المغرب لتكشف يوما بعد يوم عن أعماق التفاوتات المجالية والاجتماعية. وفي هذا السياق، تبرز منطقة بوعادل التابعة لإقليم تاونات كواحدة من بؤر التوتر المجالي الجديد، حيث خرجت الساكنة – وفي طليعتها النساء – للاحتجاج والدفاع عن حقها الأصيل في الماء، في وجه استغلال قد يهدد التوازنات البيئية والاقتصادية بالمنطقة.
ويأتي البيان التضامني الصادر عن جمعية نساء الماء والبيئة، بتوقيع رئيستها حسناء شهابي، ليعيد طرح أسئلة جوهرية حول نموذج تدبير الثروة المائية بالمجالات القروية، وليربط بشكل مباشر بين الأمن المائي، العدالة الاجتماعية، وكرامة المواطنين.
هذا، وتشتهر منطقة بوعادل بطبيعتها ومواردها المائية التي شكلت عبر التاريخ شريان الحياة واستقرار الساكنة والأنشطة الفلاحية المعيشية. غير أن الواقع الراهن بات ينذر بمؤشرات مقلقة تتعلق بالضغط على الفرشة المائية والتوازنات البيئية.
إن النضال الذي تقوده نساء بوعادل ليس مجرد رد فعل عابر على انقطاع أو نقص في التزود بالماء، بل هو تعبير عميق عن استشعار خطر حقيقي يهدد مقومات العيش والبقاء. فالنساء، بحكم أدوارهن الاجتماعية والاقتصادية التقليدية والميدانية في البيئة القروية، كن دائما في خط الدفاع الأول ضد أزمات الجفاف والندرة، وهن اليوم يدفعن ضريبة مضاعفة جراء أي اختلال في السياسات المائية المحلية.
كما يثير هذا النزاع المحلي إشكالات كبرى تستوجب وقفة نقدية متأنية من طرف مختلف المتدخلين، ويمكن إبرازها في المستويات التالية:
- يواجه تدبير الموارد المائية في عدة مناطق بالمغرب انتقادات متزايدة بسبب تغليب منطق الاستغلال الاقتصادي السريع والربحي على حساب الحق الأساسي للمواطنين في الولوج العادل للماء، متجاوزين حقيقة أن الماء حق بشري وليس مجرد سلعة قابلة للتسويق.
- غالبا ما تنفجر الاحتجاجات القروية بسبب غياب قنوات التواصل المؤسساتي والإنصات القبلي للساكنة المحلية والمجتمع المدني، مما يشعر السكان بتهميشهم في تقرير مصير مواردهم الطبيعية.
- إن أي مشروع استثماري أو استغلالي للمياه يجب أن يخضع لمعايير صارمة ومستدامة، تقيس أثره على المدى البعيد على الفرشة المائية والتوازن الإيكولوجي، تفاديا لاستنزاف يترك الأجيال القادمة أمام مجالات مجردة من مقومات الحياة.
إن البيان التضامني لجمعية “نساء الماء والبيئة” يضع الأصبع على الوجع، ويطرح خريطة طريق واضحة لمعالجة الأزمة من جذورها، تقوم على أساس:
- فتح قنوات التواصل مع ممثلي الساكنة والنساء المحتجات والاستماع لمطالبهن الملحة.
- ضمان حصص عادلة ومنصفة للساكنة المحلية قبل أي اعتبار آخر.
- إخضاع كل أشكال استغلال المياه لدراسات دقيقة ومستقلة تقيم الأثر البيئي والاجتماعي.
- إشراك النساء وفعاليات المجتمع المدني بفعالية في صياغة قرارات تدبير الثروات الطبيعية والمحلية.
إن ما يجري في بوعادل ليس سوى مرآة مصغرة لتحديات أعمق يعيشها المغرب القروي في ظل التغيرات المناخية والضغط المائي المتزايد. وحين تهب نساء بوعادل للدفاع عن الماء، فهن لا يدافعن فقط عن قطرات تسقي أراضيهن، بل يدافعن عن حق الأجيال القادمة في العيش بكرامة، وعن عدالة بيئية واجتماعية تشكل الأساس الصلب لأي تنمية مستدامة حقيقية.
«الماء حق للجميع، وليس امتيازا لمن يستطيع استغلاله أو تحويله إلى سلعة».



قم بكتابة اول تعليق