سيدي سليمان تختنق: جرائم بيئية متكاملة الأركان وسلطات تلوذ بالصمت أمام معاناة الساكنة (فيديو + صور)

إشراقة نيوز: بوسلهام الكريني

تلوح في أفق مدينة سيدي سليمان غيمة سوداء لا تغادر سماءها، ليست غيمة غيث، بل هي دخان كثيف يزكم الأنوف ويخنق الأنفاس.

تعيش المدينة على وقع كارثة بيئية وصحية حقيقية، تحولت معها أحياء المدينة وشوارعها إلى نقط سوداء، وسط تذمر عارم من الساكنة التي باتت تشعر بأن أبسط حقوقها الدستورية في “بيئة سليمة” قد سحقت تحت أقدام الإهمال وتواطؤ الصمت.

لم يعد المطرح البلدي للنفايات بسيدي سليمان مجرد مكان لتجميع الأزبال، بل تحول إلى “قنبلة موقوتة تهدد الأمن الصحي للمواطنين”. عمليات “الحرق العشوائي للنفايات” تتم بشكل شبه يومي، مسببة انبعاث غازات سامة وجسيمات دقيقة تغطي سماء الأحياء السكنية، خاصة خلال الفترات المسائية. هذه الأدخنة السامة تحولت إلى كابوس حقيقي للأطفال، والمسنين، ومرضى الجهاز التنفسي (الربو والحساسية)، الذين يجدون أنفسهم مجبرين على إغلاق نوافذهم في قيظ الصيف دون جدوى.

وليس بعيداً عن أزمة المطرح، يئن واد بهت تحت وطأة تلوث خطير غير مسبوق. هذا المجرى المائي الذي يشكل جزءا من الذاكرة البيئية للمنطقة، تحول بفعل قذف النفايات السائلة والصلبة، وغياب المراقبة، إلى مستنقع للمياه العادمة والملوثات الكيميائية والعضوية. هذا التدهور لا يهدد الفرشة المائية للمنطقة فحسب، بل يقضي على التنوع البيولوجي ويهدد الأراضي الفلاحية المحيطة به.

وقد نتج عن هذا التدهور البيئي الشامل والمستمر واقع معيشي مرير، تجسد في:

* انتشار كثيف للبعوض والحشرات الطائرة، مما جعل النوم ضربا من الخيال في غياب عمليات الرش والتعقيم.

* غزو القوارض والزواحف الخطيرة (كالأفاعي والعقارب)، خاصة في الأحياء الجانبية والهامشية القريبة من مجرى الوادي أو من النقط السوداء، مما يهدد سلامة وحياة الأطفال والساكنة بشكل مباشر.

هذا، وتتجه أصابع الاتهام بشكل مباشر إلى شركة النظافة المفوض لها تدبير هذا القطاع بالمدينة. فرغم تقاضيها لمبالغ مالية خيالية من جيوب دافعي الضرائب، إلا أن الواقع يظهر تنصلا تاما من التزاماتها المسطرة في دفتر التحملات. وتتجلى هذه الخروقات في:

الالتزام المفقود (حسب دفتر التحملات) الواقع المعيش في شوارع المدينة
تفريغ الحاويات بشكل يومي تراكم الأزبال وتناثرها حول الحاويات لعدة أيام
غسل وتعقيم الحاويات انبعاث روائح كريهة وتجمع الحشرات حول حاويات متهالكة.
كنس الشوارع بانتظام غبار متراكم وأزبال متطايرة في أزقة المدينة
إزالة الأعشاب والنباتات (Désherbage) نمو عشوائي للأعشاب بجوانب الطرقات مشكلاً ملاذاً للحشرات والزواحف.

هذا التقصير البين أدى إلى تحول شوارع سيدي سليمان إلى لوحة مشوهة من النفايات المتناثرة، في ضرب صارخ لكل قيم الجمالية والنظافة.

وأمام هذا الوضع الكارثي، يظل السؤال الأكثر إلحاحا وحرقة في أوساط الساكنة وفعاليات المجتمع المدني هو: “أين هي السلطات المحلية والإقليمية؟”

إن صمت الجهات الوصية والمجالس المنتخبة أمام هذه الانتهاكات البيئية المشينة يطرح أكثر من علامة استفهام. غياب تفعيل آليات المراقبة والمحاسبة، وعدم تطبيق الذعائر والجزاءات القانونية في حق الشركة المخلة بالتزاماتها، يفسر من طرف الشارع السليماني كنوع من “التواطؤ الضمني” أو اللامبالاة غير المقبولة بأرواح وصحة المواطنين.

إن ما يحدث في سيدي سليمان ليس مجرد “أزمة نظافة عابرة”، بل هو “انتهاك صارخ لحقوق الإنسان البيئية والصحية”، وعدم احترام تام للمواطن السليماني في حقوقه المشروعة التي يضمنها الدستور والمواثيق الدولية.

وإن الاستمرار في هدر آدمية المواطن، والتعامل مع مطالبه بالعيش في بيئة سليمة بنوع من الاستخفاف، ينذر باحتقان اجتماعي مشروع.

إن الساكنة اليوم لا تطالب بالرفاهية، بل تطالب بالحد الأدنى من مقومات العيش الكريم: هواء نقي، شوارع نظيفة، وحماية أطفالهم من الأمراض والأوبئة. فهل تتحرك السلطات الإقليمية لربط المسؤولية بالمحاسبة وإنقاذ سيدي سليمان من هذا الاختناق البيئي، أم سيبقى الوضع على ما هو عليه حتى حلول كارثة صحية لا تحمد عقباها؟

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.