الفضاء الجماعي الأوروبي وسط اختبار فيروس كورونا

أضحت أوروبا التي أعلنتها منظمة الصحة العالمية، يوم الجمعة الماضي، بؤرة لوباء فيروس كورونا المستجد “كوفيد-19″، تعيش على وقع العزلة التي يفرضها العالم وإغلاق الحدود الداخلية من قبل عدد من البلدان الأعضاء.

وتضع هذه العزلة الشاملة المشروع الوحدوي للاتحاد الأوروبي في موضع مسائلة، كما تطرح العديد من الأسئلة حول قدرتها على استدراك الأمر بعد هذه الأزمة التي لم يتردد رئيس مجموعة اليورو “يوروغروب”، ماريو سينتينو، في مقارنتها بسيناريو حرب.

واعتبر في تصريح له، اليوم الإثنين، أن “العزلة القسرية تضع اقتصاداتنا في وضع مشابه للحرب”.

فهل هو إجراء صحي مشروع أو انطواء قومي مقلق؟، هذا هو السؤال الذي يشغل حاليا البلدان الأعضاء في الاتحاد الأوروبي ودول منطقة “شنغن” المغلقة الآن.

وإزاء هذا الوضع، المنصوص عليه رغم ذلك ضمن معاهدات الاتحاد الأوروبي، لكن حصريا في حالة وجود تهديد خطير للنظام العام أو الأمن الداخلي، حذرت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين من أن هذه الإجراءات تهدد بـ “إرباك حياة الناس والشركات”، قبل أن تحذر من أن “آلاف سائقي الشاحنات والحافلات محاصرون عند الحدود الداخلية، مما يحدث مخاطر صحية جديدة ويعرقل سلاسل التوزيع لدينا. [… ] إذا لم نتحرك الآن، ستواجه المتاجر صعوبات في الإمدادات”.

وهكذا، وجهت رئيسة المفوضية الأوروبية أصابع الاتهام للحكامة الأوروبية في مجال تدبير الأزمات، التي يتعين أن تكون منسقة ومحسوبة، بعيدا عن نزعات الأنانية القومية.

وقد بدأت تداعيات هذا الوضع تظهر بالفعل على الصناعة الأوروبية، مع توقف العديد من المصانع، وعلى التزويد ببعض المنتجات والمعدات الطبية (الأقنعة، السوائل الهيدرو-كحولية)، مما ينعكس على معنويات المواطنين.

من جانبه، قال رئيس البرلمان الأوروبي، دافيد ساسولي، إن “إعادة اعتماد ضوابط حدودية داخلية، عندما لا تكون مستندة على نصائح أو معطيات مقدمة من طرف السلطات الصحية، تتسبب في الضرر أكثر من النفع”.

وحذر ساسولي من “أنها تفرض تكاليف اقتصادية ضخمة على الاتحاد الأوروبي ككل، وتمنع وصول البضائع إلى حيث توجد الحاجة إليها. علينا أن نضمن حسن سير عمل فضاء شنغن”.

وبخصوص التداعيات الاقتصادية، تعمل بروكسيل جاهدة على إيجاد إجابات لـ “أخطر أزمة عرفتها أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية”، حسب تعبير رئيس البرلمان الأوروبي.

وهكذا، أعلنت المفوضية الأوروبية، اليوم الإثنين، أنها ستعمل على توفير 8 مليارات يورو لمساعدة القطاعات الهشة من الاقتصاد الأوروبي. حيث ستجمع هذا الغلاف المالي انطلاقا من التمويلات التي سبق وأن تم صرفها للبلدان الأعضاء في إطار الصناديق الهيكلية، والتي لم يتم توظيفها.

وعلى هذا الأساس، تتوقع المفوضية تعبئة ما يصل إلى 29 مليار يورو من الاستثمارات، أي 37 مليارا في المجموع.

كما ستعمل، من جهة أخرى، على تمكين البلدان الأعضاء من صرف 28 مليار أورو من التمويلات الهيكلية ضد فيروس كورونا -المستمدة من صناديقها الوطنية 2014-2020- والتي لم يتم تخصيصها بعد.

من جهة أخرى، يمكن تعبئة ما يصل إلى 800 مليون يورو المستمدة من صندوق التضامن للاتحاد الأوروبي، والمخصص للاستجابة لوضعيات الأزمة.

وأخيرا، ستوفر بروكسيل مليار يورو من ميزانية الاتحاد الأوروبي لتكون بمثابة ضمان لصندوق الاستثمار الأوروبي، الذي من شأنه أن “يسمح برصد 8 مليارات يورو من التمويلات وتدعيم ما لا يقل عن 100 ألف مقاولة صغيرة ومتوسطة”.

ووعدت المفوضية الأوروبية بـ “مرونة قصوى” في تطبيقها للقواعد الأوروبية حول ميزانيات الدول، وهو ما يهم بالخصوص عجزها و”قاعدة الثلاثة في المائة” الشهيرة.

وسيمكن هذا الأمر البلدان الأعضاء من زيادة نفقاتها من أجل “احتواء الوباء” وتبديد “آثاره السوسيو- اقتصادية السلبية”.

وحسب المفوضية، “وفي حالة حدوث ركود اقتصادي خطير” في منطقة اليورو، فإنها مستعدة لتفعيل بند يعلق تطبيق قواعد السماح بتطبيق سياسة دعم شاملة للميزانية.

وعلى المستوى الصحي، قررت السلطة التنفيذية الأوروبية تقييد صادرات المعدات الطبية بشكل صارم – “الأقنعة، النظارات الواقية، واقيات الوجه، واقيات الأنف والفم، البدلات الواقية” – خارج الحدود الأوروبية، من أجل ضمان أفضل دعم مادي ممكن للفرق الطبية الأوروبية.

وسيتم الإعلان عن تدابير أخرى بعد الاجتماع الاستثنائي الذي سيعقد، يوم الثلاثاء، مع رؤساء دول وحكومات البلدان الـ 27 خلال ندوة عن طريق تقنية الفيديو.

وحسب رئيس المجلس الأوروبي، شارل ميشيل، الذي أعلن عن هذا الاجتماع في تغريدة له على “تويتر”، فإن القادة الأوروبيين سيقومون بتتبع وتقديم الإجابة على وباء فيروس كورونا المستجد، وسيحاولون حشد الطاقات حول هذه الأزمة.

وخلص ميشيل إلى أن “تطويق انتشار الفيروس، وتقديم تجهيزات طبية بكمية كافية، وتحفيز البحث، والحد من التداعيات الاقتصادية السلبية هي أمور أساسية”.

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.