إشراقة نيوز: بوسلهام الكريني
في زمن تتشابك فيه التحديات التربوية والاجتماعية، تبرز خطب الجمعة كمنابر مؤثرة في تشكيل الوعي العام. لكن حين يختزل الدين في التحذير من “المهلكات”، دون معالجة جذورها أو ربطها بالعدالة والكرامة، يصبح من الضروري إعادة النظر في الخطاب الديني السائد. هذا المقال رد تحليلي على خطبة الجمعة الأخيرة، التي تناولت التهلكة من منظور أخلاقي صرف، متجاهلة السياقات الأعمق التي تصنعها.
لقد تناول الإمام موضوع “التهلكة” مستندا إلى قوله تعالى: ﴿ وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمُ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُواْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾، مستعرضا سلسلة من “المهلكات” التي تهدد الفرد والمجتمع، من الشرك والسحر إلى الإدمان على المخدرات ومواقع التواصل. ورغم وجاهة بعض التحذيرات، فإن الخطبة تطرح إشكاليات تربوية واجتماعية تستحق الوقوف عندها.
أولا: التهلكة ليست فقط أخلاقية..
الخطبة اختزلت “التهلكة” في سلوكيات فردية وأخلاقية، متجاهلة أن التهلكة قد تكون أيضا نتيجة لسياسات تعليمية فاشلة، أو غياب العدالة الاجتماعية، أو تهميش الشباب، أو تفشي البطالة. فهل يلام المدمن وحده دون مساءلة المنظومة التي دفعت به إلى الهروب؟ وهل يحذر من الغيبة دون معالجة أسباب الاحتقان الاجتماعي التي تغذيها؟
ثانيا: خطاب التخويف لا يصنع مواطنا صالحا..
الخطبة اتسمت بنبرة تحذيرية صارمة، تكرس ثقافة الخوف والذنب، وتغفل التربية على الوعي والاختيار الحر. فالمجتمع لا يبنى بالتحذير من “الموبقات” فقط، بل بتعزيز قيم المشاركة، والكرامة، والعدالة، والتمكين. أين الدعوة إلى التفكير النقدي؟ إلى الإصلاح المدني؟ إلى العمل الجماعي؟ أم أن “الإحسان” صار محصورا في الامتناع عن الغيبة والنميمة؟
ثالثا: مواقع التواصل الإجتماعي ليست تهلكة مطلقة
الإمام اعتبر إدمان مواقع التواصل الإجتماعي من أخطر المهلكات، متجاهلا أنها أصبحت فضاء للتعبير، والتعلم، والتضامن، بل وحتى للدعوة نفسها، علما أن المجلس العلمي المحلي بسيدي سليمان ينشر غالبية أنشطته على صفحته الرسمية بالفايسبوك معززة بالصور والفيديوهات، فهل هذه المنشورات معروضة للمشاهدة أم أنها فقط وسائل إثبات حلية تلك المصاريف وكيف يجزم الإمام أن مواقع التواصل تهلكة.. المشكلة ليست في الوسيلة، بل في كيفية استخدامها. فهل ندين الشباب على انشغالهم بها، أم نرشدهم إلى استخدامها في خدمة قضاياهم؟ وهل نحذر من “نشر الزور” فقط، أم نعلمهم التحقق، والنقد، والمساءلة؟
رابعا: أين الحديث عن التهلكة السياسية؟
الخطبة أغفلت الحديث عن التهلكة الناتجة عن الفساد، وسوء التسيير، وغياب الشفافية، وتهميش المواطن. أليس التواطؤ مع الظلم تهلكة؟ أليس السكوت عن الحقوق تهلكة؟ أليس تهميش الشباب في القرار تهلكة؟ لماذا يختزل الدين في سلوكيات فردية، ويغيب عن قضايا الأمة الكبرى؟
ختاما، نحذر من المهلكات، ولكننا نحتاج إلى خطاب ديني يربط بين الإيمان والعدالة، بين التقوى والمواطنة، بين الورع والإصلاح. نحتاج إلى منابر تنير العقول لا ترهبها، تحفز الشباب لا تدينهم، تعلي من قيمة الإنسان لا تحقره. فالإحسان الذي يحبه الله، لا يقتصر على ترك المعاصي، بل يشمل بناء الأوطان، ونصرة المظلوم، وتحرير العقول.
فهل نعيد تعريف “التهلكة”؟ وهل نعيد توجيه خطبنا نحو الحياة لا الموت؟ نحو الأمل لا الخوف؟ نحو الإصلاح لا الإدانة؟ هذا هو التحدي الحقيقي.
—



قم بكتابة اول تعليق