«16 ماي» الأمن الوطني بين ذكرى التأسيس وانحراف الممارسة.. الأمن الحقيقي لا يبنى بالسياط

إشراقة نيوز:

  • بوسلهام الكريني

{في الأصل، وجد رجل الأمن ليكون حارسا لسلامة المواطن وممتلكاته، وضامنا لحقوقه، ودرعا واقيا ضد الفوضى والاعتداء. لكن حينما ينقلب الدور، ويتحول رجل الأمن إلى سوط في يد السلطات، يصبح المشهد أكثر خطورة من أي تهديد خارجي، لأن الخطر يأتي هذه المرة من داخل الجهاز الذي يفترض أن يحمي المواطن}.

ففي السادس عشر من ماي من كل سنة، يحتفل المغرب بذكرى تأسيس الأمن الوطني، وهي مناسبة لاستحضار الدور الجوهري لهذه المؤسسة في حماية الوطن والمواطنين، وضمان الاستقرار، وصون الحقوق والحريات. لكن هذه الذكرى، بدل أن تكون لحظة فخر واعتزاز، تتحول في بعض المناطق إلى مناسبة للتساؤل المرير: هل ما زال رجل الأمن حارسا للحق أم أصبح سوطا في يد السلطة لجلد الضعفاء؟

فالأمن ليس مجرد أوامر تنفذ، بل هو قيمة إنسانية مرتبطة بالعدالة والكرامة. وحين يستعمل رجل الأمن لتكميم الأفواه، أو لتخويف المحتجين السلميين، أو لإسكات الصحافيين والحقوقيين، أو لترويع الباعة المتجولين، ومطاردة أرباب الدراجات ثلاثية العجلات، بدل تنظيمهم ودعمهم، فإننا أمام انحراف خطير عن الرسالة الأصلية، وعن جوهر المؤسسة الأمنية. فبدل أن يكون رجل الأمن حاميا للضعفاء، رمزا للطمأنينة، حاميا للحقوق، وضامنا للعدالة يصبح أداة لإضعافهم أكثر وهو الذي يفترض أن يقف إلى جانب المواطن، لا ضده.

إن السلطات التي تستعمل الأجهزة الأمنية كسوط، لا تدافع عن القانون، بل عن مصالحها الخاصة. وهنا يضيع الفارق بين حماية النظام العام وبين فرض الهيمنة. فالقانون يطبق على الجميع، بينما الهيمنة تمارس على الفئات المستضعفة فقط. والنتيجة: مجتمع يعيش في خوف دائم، حيث يصبح رجل الأمن رمزا للرعب بدلا من الطمأنينة.

فحين يرى المواطن أن رجل الأمن لا يحميه بل يطارده، تتولد حالة من فقدان الثقة في المؤسسات. هذا الانكسار النفسي يفتح الباب أمام اليأس، وأمام البحث عن بدائل غير قانونية للتعبير عن الغضب أو الدفاع عن الحقوق. وهكذا يتحول جهاز الأمن من صمام أمان إلى مصدر توتر اجتماعي دائم.

إن بناء دولة الحق والقانون لا يمكن أن يكون دون إعادة الاعتبار لرجل الأمن كخادم للمجتمع لا كأداة للسلطة. لذا وجب تكوين رجال الأمن على مبادئ حقوق الإنسان، وإخضاع تدخلاتهم لرقابة قضائية مستقلة، ومحاسبة كل من يستعمل سلطته الأمنية في انتهاك حقوق المواطنين، إضافة إلى تعزيز صورة رجل الأمن كحام للضعفاء لا كجلاد لهم.

وعلى المستوى المحلي وفي مدينة سيدي سليمان، تتجلى هذه المفارقة بشكل صارخ. فبدل أن يكون الأمن الوطني سندا للفئات الهشة، أصبح أداة ضغط عليهم. الباعة المتجولون الذين يبحثون عن لقمة العيش، وأرباب الدراجات ثلاثية العجلات الذين يوفرون خدمة نقل شعبية، يجدون أنفسهم عرضة للمطاردة، الحجز، والإهانة. هذه الممارسات لا تحمي النظام العام، بل تكرس التهميش وتعمق الفوارق الاجتماعية.

وحين يرى المواطن أن رجل الأمن يضيق عليه بدل أن يحميه، تتولد حالة من فقدان الثقة في المؤسسات. يصبح الأمن مرادفا للقمع لا للحماية، وتتحول العلاقة بين المواطن والدولة إلى علاقة خوف بدل علاقة تعاون. وهذا أخطر ما يمكن أن يواجه أي مجتمع يسعى إلى بناء دولة الحق والقانون.

إن ذكرى تأسيس الأمن الوطني يجب أن تكون محطة لمراجعة الذات، لا مجرد احتفال شكلي ترفع فيه الشعارات البراقة، بل يحتاج إلى ممارسات واقعية تعيد الثقة بين المواطن ورجل الأمن.

الأمن الحقيقي لا يبنى بالهراوات ولا بالمطاردات ولا بالسجون، بل بالعدل والكرامة وبالثقة المتبادلة بين المواطن والدولة.

رجل الأمن الذي يتحول إلى سوط في يد السلطة، يجلد أبناء الوطن بدل أن يحميهم، هو تجسيد لانحراف خطير يجب التصدي له. فالأمن قيمة إنسانية، وإذا فقد هذه القيمة، فقد جوهر وجوده..

ولعل ما يحدث في سيدي سليمان من انتهاكات في حق الباعة المتجولين وأرباب الدراجات ثلاثية العجلات، هو جرس إنذار بأن المؤسسة الأمنية بحاجة إلى إصلاح عميق يعيدها إلى رسالتها الأصلية: حماية المواطن لا جلده.

 

.

 

 

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.