بوسلهام الكريني يكتب: الفساد السياسي في المغرب… أزمة ثقة أم فرصة للإصلاح؟

إشراقة نيوز:

بوسلهام الكريني

في السنوات الأخيرة، شهد المغرب موجة غير مسبوقة من التحقيقات والاعتقالات في صفوف المنتخبين والمسؤولين السياسيين، حيث تشير المعطيات إلى وجود حوالي 32 برلمانيا خلف القضبان بسبب شبهات فساد، أغلبهم لم يحاكموا بعد، لكن مجرد توقيفهم يعكس جدية الاتهامات وخطورة الوضع. واللافت أن عددا كبيرا منهم ينتمون إلى أحزاب مشاركة في الحكومة، ما يطرح تساؤلات جوهرية حول آليات التزكية والاختيار داخل المشهد الحزبي المغربي.

إن انتخابات 2021 كانت شاهدا على دخول نخب سياسية إلى الميدان دون رصيد أخلاقي أو كفاءة مؤسساتية، مدفوعة أساسا بالمال السياسي، الذي تحول في كثير من الحالات إلى مال فاسد. واليوم، نجد أن عددا من هؤلاء في السجن، وآخرين تحت التحقيق، ما يكشف عن خلل بنيوي في منظومة الترشيح والرقابة الحزبية. هذا الواقع لا يقتصر على البرلمان، بل يمتد إلى الجماعات المحلية، حيث تم عزل عدد غير مسبوق من رؤساء الجماعات بناء على تقارير المجالس الجهوية للحسابات والمفتشية العامة للإدارة الترابية.

إن خروج الشباب إلى الشارع للتنديد بالفساد ليس مجرد رد فعل عاطفي، بل هو تعبير عن وعي متزايد بضرورة المحاسبة والشفافية. التصنيفات الدولية التي تضع المغرب في مراتب مقلقة على مؤشرات الفساد تعزز هذا الشعور العام بالإحباط، لكنها أيضا تفتح الباب أمام إصلاحات جذرية. فالمغرب لا يفتقر إلى المؤسسات، بل إلى إرادة سياسية حقيقية تضمن نزاهة الاختيار، وتمنع تسلل المال الفاسد إلى مواقع القرار.

إن ما يحدث اليوم يمكن أن يقرأ كأزمة ثقة، لكنه أيضا فرصة تاريخية لإعادة بناء العلاقة بين المواطن والمؤسسات. والمطلوب ليس فقط محاسبة الفاسدين، بل إعادة النظر في آليات التزكية الحزبية، وتفعيل دور المجتمع المدني والإعلامي في مراقبة الأداء السياسي. فالنزاهة ليست شعارا انتخابيا، بل شرط أساسي لبناء مغرب قوي، عادل، ومحصن ضد الانحرافات.

الفساد السياسي في المغرب لم يعد مجرد ملف إداري أو قضائي، بل أصبح قضية رأي عام، تمس جوهر الديمقراطية وكرامة المواطن. وإذا كانت الاعتقالات والتحقيقات مؤشرا على يقظة مؤسساتية، فإن التحدي الحقيقي يكمن في تحويل هذه اليقظة إلى إصلاح دائم، يضمن أن يكون من يمثل الشعب جديرا بثقته، لا عبئا على تطلعاته.

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.