إشراقة نيوز: بوسلهام الكريني
لم يعد المشهد السياسي بحاجة إلى بلاغة لغوية لتعرية واقعه، فالوقائع اليومية للمواطن تكفلت بإسقاط ورقة التوت عن حكومة حولت تدبير الشأن العام إلى سوق للصفقات واقتسام الامتيازات.
اليوم، ومع اقتراب المواعيد الانتخابية، تعود نفس الوجوه بلغة معسولة وأرقام تجميلية، متناسين أن ذاكرة الشارع أقوى من خطاباتهم المرتجلة، وأن الحصيلة الحقيقية ليست ما يتلى في القاعات المكيفة، بل ما كتب على أجساد وجيوب المغاربة طيلة سنوات من التهميش والغلاء..
فقد ترك المواطن وحيدا في مواجهة تغول شركات المحروقات وتواطؤ أرباب الريع، حيث تضخمت الأرباح الفاحشة للوبيات على حساب القوت اليومي للأسر وانهيار القدرة الشرائية للطبقة الوسطى.
كما كشفت فاجعة الزلزال عن هوة شاسعة بين الخطاب والتنفيذ؛ إذ ظلت مئات الأسر في الخيام تواجه قساوة الطبيعة والوعود المؤجلة، بينما تحولت الميزانيات إلى أرقام تتلاقفها البيروقراطية.
ومن صرخة أيت بوكماز في المغرب العميق الذي يطالب بأبسط شروط الكرامة، إلى احتقان جيل الشباب (Gen Z) والطلبة الذين وجدوا أبواب الأمل موصدة في قطاعات حيوية كالتعليم والصحة، وقوبلت مطالبهم بالصمت والالتفاف، حيث صار مشهد المواطن وهو يقف عاجزا أمام متطلبات العيش الأساسية، ورمزية الأعياد الدينية والاجتماعية التي سلبت بهجتها بسبب الغلاء الفاحش، دليلا قاطعا على غياب الدولة الاجتماعية الحقيقية.
لقد رسخ التحالف الحكومي نموذجا فجا في تضارب المصالح، حيث طغى منطق “الكعكة” والصفقات الموجهة والمحاباة على حساب الأولويات التنموية. لقد استبيحت الميزانيات العامة لصالح شبكات النفوذ، بينما يطلب من المواطن البسيط أن يتحمل “إكراهات المرحلة” و”الظرفية الدولية” في مبررات تآكلت مصداقيتها حتى باتت مثار سخرية.
إن الهروب من مواجهة الحقيقة عبر تقديم “حصيلة وردية” لن يمحو واقع البؤس الذي طال ملايين الأسر. إن المحاسبة الحقيقية لا يجب أن تظل شعارا حبيس الصالونات، بل مطلبا شعبيا يقضي بمساءلة كل من استغل موقعه العمومي للاغتناء وترك الوطن في مهب الأزمات.
إن صندوق الاقتراع ليس شيكا على بياض لتجديد عقد البؤس، بل فرصة لقول كلمة الحق ورفض إعادة تدوير النخب التي أفقرت الشارع واغتنت من أزماته.



قم بكتابة اول تعليق