الحرشي يكتب: التربية السياسية والعمل الحزبي تربية قبل كل شيء

إشراقة نيوز: محمد الحرشي

الكثير من الناس يشمئزون فور سماعهم كلمة “حزب” ويجدونها فرصة للتنفيس عن كل ما يعتمل في دواخلهم ، فلا يستعملون في قاموس الاستنكار سوى السخط والضجر عبر مصطلحات السب والشتم وتعداد المساوئ والنواقص التي تعتري كل التنظيمات الحزبية، بل يصبون جام غضبهم على كل منتم لحزب كيفما كانت إيديولوجيته ومساره التاريخي ودوره في الاستقرار والتنمية، فينعتونه بكل الأوصاف التي تحط من كرامة الإنسان.

ولا تخلو المجاميع واللقاءات من كل أشكال وأساليب المقارنات بين الأحزاب عندنا ومثيلاتها في الخارج، حسب خطها الايديولوجي : يمينية ، يسارية دينية، بيئية، قومية، وطنية، راديكالية وما إلى ذلك من أسماء وعناوين التعدد الحزبي والسياسي في العالم…

والتعليل الوحيد الذي يعطونه لتفسير تذمرهم واستياءهم هو حجم الفساد بكل أنواعه المستشري في كل التنظيمات الحزبية ، وكثير منهم بنى قناعاته على ما يراه يوميا من مظاهر سوء التسيير والتدبير داخل وخارج المؤسسات المنتخبة، أو ما سمعوه من الذين عملوا داخل الهيئات الحزبية.

ولكي لا نسقط في الذاتية ونبتعد عن الموضوعية في إصدار الأحكام والمساهمة في العدمية ومقولة “أولاد عبد الواحد واحد” من المنطقي أن نعرف أصل الداء وسبب تردي الأحزاب التي هي ظاهرة عالمية وليست خاصة بالمغرب، والهدف هو أن نتوصل إلى الدواء ونؤسس لأحزاب قوية قادرة على تحقيق التنمية والمساواة وضمان كرامة المواطنين والمواطنات وبالتالي التخلي عن ثقافة إصدار الأحكام المزاجية والآراء المتسرعة.

والبداية من تعريف معنى الحزب الذي هو اتفاق بين مجموعة من الناس يتقاسمون نفس الأفكار حول مشاكل تسيير الشأن العام، فيقررون العمل معا، حسب القانون، للوصول إلى السلطة تمكنهم من تحويل قناعاتهم السياسية إلى قرارات وإجراءات تعود بالنفع على المجتمع.

وهذا التصور الحزبي لا يقتصر على المغرب فهو معمول به في كل الأمصار والدول ولا بديل عنه في الفكر الحداثي الديمقراطي .

و من أجل تنفيذ تصورهم الحزبي يضعون قانونا أساسيا يوجه عملهم وكيفية التطبيق على أرض الواقع والرجوع إليه في كل ما يتعلق بالتسيير والعضوية والمشاركة الانتخابية وحتى في حالة حل الحزب .

لكن الإشكالية في المغرب هي أن المجتمع لا يدرك أهمية الأحزاب إلا حينما يقع له مشكل أو يطلب منه الذهاب إلى مراكز الانتخابات والتصويت على اسم من الأسماء أو رمز من الرموز، ثم ينتظر ست سنوات أخرى لإعادة السلوك، وفي الأخير التباكي والشجب والتنديد وتحميل التنظيمات الحزبية كل أسباب الإخفاق والتخلف.

والسؤال الذي علينا طرحه على أنفسنا هو كيف نربي أبناءنا وبناتنا على العمل السياسي وعلى تحمل المسؤولية العامة منذ الصغر سواء في البيت اوخارجه ؟ فالطفل عنذما يصل مرحلة الشباب التي هي فترة التحولات الكبرى في المجتمعات يجد نفسه غير مكون نفسيا وتنظيميا وعلميا لأحداث التغيير المطلوب.

فتعلم السياسة في المغرب كثيرا ما يكون عن طريق الصدفة وفي عمر متأخر من الحياة او عن طريق إغراء المصالح المتبادلة، أو إلحاح عاطفي على ملأ لائحة في آخر لحظة إرضاء لعلاقات عائلية أو مهنية أو ما تمليه سلطة ما قاهرة.

وهنا نطرح السؤال التالي: هل الطفل(ة) الذي يتعرض للتهميش والقمع السياسي داخل البيت قادر في المستقبل على إدارة الشأن العام ؟ هل سينمو متشبعا بالعمل مع الآخرين لحل المشاكل المتجددة والتحديات المحلية ؟ هل سيكون بمقدوره الانتماء إلى تنظيم حزبي والعمل بثقة داخله برؤية واضحة وفق متتطلبات التنمية الشاملة ؟

والحقيقة أننا منذ الصغر تختلط الأمور في أذهاننا حول أهمية الأحزاب و حدودها وإمكاناتها وعلاقاتها وتأثيرها في السياسات العمومية ورقي المجتمع.

من جهة، نجد الدستور ينص على التعددية الحزبية والمشاركة في الشأن العام، وفي البيت يسمع الطفل أباه أو أمه يعددان مساوئ الإنتماء السياسي، وكيف كان مصير العديد من المناضلين والمناضلات، ولا يدركان أن أي دولة لا تقوم لها قائمة ولا يستقيم لها حال إلا بالأحزاب.

وحتى في المؤسسات التعليمية لا تجد إلا الخطوط الحمراء وراء أي عمل سياسي يقوم به الشباب بدءًا بالأستاذ إلى المدير، كل واحد يوظف قناعاته السياسية حسب ما عاشه من أحداث ماضية ويبقى الاهتمام منصبا فقط على النظري في التربية الوطنية الجافة والتربية الإسلامية المحنطة بالنصوص القديمة.

وفي الشارع، لا يسمع الشاب أو الشابة إلا التفسيرات والمقاربات التي تحط من شأن الأحزاب كلها، وترفع من شأن جهات أخرى، مما يولد عنده انفصام حاد بين ما يريده ككائن سياسي وواقع لا يؤمن بالتنظيم الحزبي.

فكما أفرغت المؤسسات العصرية من رسالتها التنويرية والروحية يجب كذلك أن تفرغ المؤسسات الحزبية من دورها في التأطير لتدبير الشأن العام.

وحتى لو التحق شاب ما بتنظيم ما يجد الفراغ القاتل في التصور والتكوين السياسي حسب ماذكرنا سابقا.

وبدون مبالغة، فالتأطير الحزبي يبدأ في البيت منذ الصغر، يقوم به أفراد الأسرة وفي المدرسة الأطر التربوية، وفي المجتمع العام، الهيئات الحزبية والحقوقية والاقتصادية والقضائية والبيئية، وذلك بفسح المجال للتعبير عن الرأي ، وفي الشارع بتحرير الفضاءات وخلق النقاشات، وفي البرلمان بطرح الإشكالات الكبرى حول كل ما يهم الشأن العام. .

فالسياسة ولدت مع الإنسان بالفطرة لكن السلطة الفاعلة في كل مجتمع لا تريد في أغلب الأحيان اقتسامها مع الآخرين، فتحاول تبخيس عمل الأحزاب التي هي الممثل الشرعي لفئات المجتمع، وبالتالي ترهن المستقبل في المقاربات الأمنية وسيادة الخطاب الواحد.

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.