إشراقة نيوز: بوسلهام الكريني.
{رغم إطلاق دينامية تشاورية لتنزيل التوجيهات الملكية، فإن واقع المشاريع المجمدة في سيدي سليمان يكشف عن فجوة صارخة بين الخطاب التنموي والممارسة الترابية، مما يهدد مصداقية البرنامج الجديد ويستدعي مساءلة حقيقية للمسؤولين المحليين}..
في إطار تنزيل التوجيهات الملكية السامية، نظمت عمالة إقليم سيدي سليمان لقاء تشاوريا موسعا لإعداد الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة، هذا اللقاء الذي جاء في سياق وطني موسوم بالاحتقان الاجتماعي، بعد خروج فئات واسعة من الشباب احتجاجا على تردي الأوضاع الاجتماعية…
غير أن الممارسة الواقعية فضحت الطبيعة الإستبدادية والتسلطية للسلطات الفاشلة بإقليم سيدي سليمان، والتي لا يهمها تشاور ولا اختلاف في الرأي، بقدر ما يهمها تنفيذ الأوامر، لامتصاص غضب الشارع وإلهاءه بوهم الحوار والتشاور والإنصات وغيرها من الشعارات المعدة للإستهلاك الإعلامي لتنويم الشعب المسحوق بفعل سياسة الحكومة الفاشلة، مستعينة بعدد من الملمعين والمطبلين الذين لا يفقهون في التسيير شيئا، همهم ملء القاعة والتقاط صور لا تعبر عن الواقع المرير، وقد يفوتون فرصة حقيقية على سيدي سليمان للظفر بقليل من التنمية…
لقد عمدت السلطات المعنية بعملية الإعداد لهذه اللقاءات المزعومة إلى تصفية الحسابات، وذلك بإبعاد كل الأصوات الحرة التي تنتقد السياسات السلطوية بعيدا عن التصفيق والتطبيل للفشلة من المسيرين المعينين والمنتخبين على حد سواء. وتغييب صوت المعارضة المتواجدة بقوة في الشارع السليماني واستدعاء جمعيات غير معروفة ولا وجود لها سوى على الأوراق، وأصحابها لا صوت لهم سوى التصفيق والثناء على فرصة التقاط صورة مع مسؤول مهما كانت رتبته متدنية…
ليتضح أن الهدف من هذا اللقاء ليس الاستماع أو التشاور بقدر ما هو بروتوكول شكلي دون محتوى.. والهدف الوحيد هو التصفيق والتطبيل وترديد العبارة الشهيرة عند المغاربة: “قولو العام زين”..
هذا، وبالعودة إلى مضامين الخطاب العاملي، فقد استند عامل الإقليم إلى أربعة مرتكزات مركزية: التشغيل، والخدمات الاجتماعية، والتدبير المائي، والتأهيل المجالي المتوازن. غير أن هذا الورش الوطني، الذي يفترض أن يكون قاطرة للتغيير، يصطدم بواقع محلي مثقل بالمشاريع المجمدة، والوعود غير المنجزة، والقرارات التي تفتقر إلى الجرأة والفعالية.
* ولعل من أبرز النماذج التي تثير الاستغراب، مشروع المستشفى الإقليمي الذي خصصت له ميزانية ضخمة تبلغ 253 مليون درهم، بعد اقتناء أرض بمساحة 7,7 هكتارات بقيمة 7 ملايين درهم. ورغم استكمال الإجراءات العقارية، لم تسجل أي خطوة عملية للبناء أو التفعيل، ما يطرح سؤالا حرجا: أين اختفى هذا المشروع؟ ولماذا لم يتحرك العامل لتفعيله؟
* أيضا المركز الصحي الخاص بمرضى القصور الكلوي بسيدي سليمان الممول من المبادرة الوطنية بمبلغ 1.600.000,00 درهم والمجلس البلدي بمبلغ 2.000.000,00 درهم وقد انتهت الأشغالبه منذ سنوات، ولا يزال مغلقا، رغم الحاجة الملحة له. هذا الجمود الإداري يضع حياة المرضى في خطر ويعكس غياب التنسيق بين الجهات المعنية.

* كما لا ننسى مدرسة “أم هاني” بدوار الوركة، التي بنيت منذ ثلاثة عقود، لم تهدم ولم تفعل، تاركة أبناء المنطقة عرضة لخطر عبور السكة الحديدية نحو مدرسة أنوال. هذا المثال يكشف عن فشل في تدبير البنية التحتية التعليمية، رغم أن التعليم أحد ركائز البرنامج التنموي الجديد.
* وماذا عن “مدرسة التعليم الأولي بحي أولاد مالك” والتي تم تجهيزها واقتناء معداتها فتتحول بقدرة غيبية إلى مركز صحي دون التفكير في الحاجة الماسة لأولئك الأطفال إلى التمدرس الأولي مع جهل مصير تلك المعدات والتجهيزات التي تم شراؤها منذ سنوات الولاية السابقة..
* كما تطرح عدة علامات استفهام حول “قطب الاقتصاد الاجتماعي والرياضة والترفيه” الذي شيد على مساحة 30 هكتار تم اقتناؤها من طرف الجماعة القروية القصيبية بتكلفة إجمالية 43.203.085,30 درهم موزعة على الشركاء كالآتي:
- عمالة سيدي سليمان (دعم وزارة الداخلية) 22.029.137 درهم
- الجماعة القروية القصيبية 10.366.000 درهم
- المبادرة الوطنية للتنمية البشرية 4.807.948,30 درهم
- الجامعة الوطنية لسباق الدراجات 6.000.000 درهم.
ولا أثر لهذا المشروع رغم إدراجه ضمن أولويات التنمية، ورغم انتهاء الأشغال به إلا أنه لا يزال مغلقا في وجه الساكنة..

* وماذا عن مشروع تهيئة مركز “ناشئ” دار بالعامري الممول من المجلس القروي لدار بالعامري ومجلس الجهة وصندوق التنمية القروية والمناطق الجبلية FDR وتصل تكلفة هذا المشروع إلى حوالي 20,2 ملون درهم، إلا أنه لم يظهر له وجود إلى اليوم…

* “المركز التجاري الخاص بالباعة المتجولين للملابس المستعملة“ حيث تم تخصيص مبلغ 1.5 مليون درهم من أجل اقتناء قطعة أرضية مساحتها 1810 متر مربع وذلك في إطار شراكة بين المجلس الإقليمي وجمعية بائعي الملابس المستعملة وشركة العمران. وقد تم التصويت على مقرر خاص بإحداثه في المجلس الإقليمي، لكن المشروع لم ير النور بعد.

* “مشروع الصفاء للسكن الاقتصادي بسيدي سليمان“ والذي كان سيضم 108 شقة سكنية و12 عمارة ويحتوي على نوعين من الشقق الاقتصادية تم تحديد ثمن الوحدة كالتالي:
- الصنف الأول: 250.000 درهم
- الصنف الثاني: 140.000 درهم
وكان مقررا أن تصل التكلفة الإجمالية للمشروع تناهز 18.750.000,00 درهم.. إلا أنه اختفى دون تفسير، رغم حاجة المواطن الملحة للسكن اللائق.

* “مطرح النفايات” الذي يشكل تهديدا بيئيا وصحيا بسبب عدم تأهيله والحرق المستمر والعشوائي للنفايات كل ليلة يهدد صحة الساكنة وخاصة المرضى منهم.

* “محطة تصفية المياه العادمة” التي استنزفت 13 مليون درهم، لكنها غير مشغلة منذ عقدين من الزمن، والمواطن يؤدي ثمن خدمة غير موجودة.

وما يثير الاستغراب في مصداقية هذا البرنامج التشاوري وعدم جديته، تكليف موظف بمنصب منسق اللجنة الإقليمية، وهو الذي كان يشغل منصب رئيس قسم الشؤون الاقتصادية والتنسيق، وسبق إعفاؤه بسبب اختلالات، ما يطرح تساؤلات حول معايير الكفاءة والشفافية في التعيينات، وجدية هذه اللجنة ولقاءاتها، في ظل وجود كفاءات محلية مشهود لها بالحوار والتنسيق، مما يجعل هذا القرار يكون ضد منطق الإصلاح الذي تنادي به التوجيهات الملكية..
فهل حقا نملك الإرادة السياسية لتفعيل التنمية؟ أم أن استمرار هذا الجمود في المشاريع الحيوية، رغم إطلاق برامج تشاورية وتنموية، يضع مصداقية السلطات المحلية على المحك. فالتنمية ليست شعارات ولا لقاءات سينمائية يراد بها تضليل الرأي العام وإسكات الأصوات المحتجة التي تنادي بالتغيير، بل قرارات جريئة، ومحاسبة شفافة، وتفعيل فعلي للمشاريع التي ظلت متعثرة ومتبعثرة في سيدي سليمان لسنوات.
مدينة سيدي سليمان، والإقليم عموما، تستحق أن تكون “باريس الصغرى” كما كانت تسمى سابقا، لكن ذلك لن يتحقق إلا إذا تحررت من بيروقراطية التجميد، واحتكمت إلى الفعالية والعدالة المجالية.



قم بكتابة اول تعليق