بوسلهام الكريني يكتب: خطبة الجمعة الموحدة في المساجد بين التوجيه والإرشاد ورسالة التبليغ والجدل حول ابتعادها عن قضايا الواقع المعاش

إشراقة نيوز: بوسلهام الكريني

تعتبر خطبة الجمعة في المسجد ركيزة أساسية في تبليغ رسالة الدين، فهي ليست مجرد تلاوة أو قراءة نصوص، بل وسيلة للتوجيه والإرشاد، ولربط المصلين بقضاياهم الدينية والدنيوية. غير أن اعتماد الخطبة الموحدة في عدد من المساجد أثار جدلا واسعا بين المصلين والمهتمين بالشأن الديني، لما تحمله من إشكالات في الشكل والمضمون، كـ:

  • غياب التفاعل: فالخطيب يجد نفسه مقيدا بنص مكتوب مسبقا من طرف غيره، لا يملك حرية شرحه أو ربطه بواقع الناس، فيتحول إلى مجرد قارئ، وكأننا أمام حصة تلاوة مدرسية.
  • الانفصال عن الواقع: كثيرا ما تكون المواضيع بعيدة عن اهتمامات المصلين، خصوصا في القرى والبوادي حيث تختلف القضايا اليومية عن تلك التي يعيشها سكان المدن.
  • فقدان الدور التوجيهي: فالخطبة الناجعة هي التي تجيب عن أسئلة الناس وتوجههم في حياتهم، بينما الخطبة الموحدة قد تظل حبيسة العموميات أو قضايا لا تمس حياتهم المباشرة.

وهذه الإشكالات قد تؤثر بشكل سلبي على المصلين، إذ يمكن أن يشعروا بالإحباط والاستياء، حينما يحسون أن الخطبة لا تخاطبهم ولا تعالج مشاكلهم، مما يفقدها التأثير الروحي والتربوي. كما تضعف ثقتهم بالخطيب، الذي أصبح مجرد ناقل لنص جامد، فاقدا مكانته كمرشد وموجه، بل وينظر إليه كموظف يؤدي واجبا شكليا. مما يترتب عنه تراجع دور المسجد، تلك المؤسسة التي يفترض أن تكون فضاء للتربية والتوجيه، لكن الخطبة الموحدة حولته إلى مكان لتكرار نصوص لا حياة فيها.

هذا، وحتى ينتعش المسجد وترجع إليه مكانته العلمية والتوجيهية لا بد من سلك منهج جديد بدلا من السير على منوال الخطب الموحدة كمنح الخطيب هامش من حرية اختيار المواضيع المناسبة ليتمكن من ربط النصوص الدينية بواقع المصلين، ويعالج قضاياهم اليومية. وتكييف المواضيع حسب السياق لأن احتياجات سكان القرى والبوادي تختلف عن سكان المدن، وقضايا الشباب ليست هي نفسها قضايا كبار السن. مع الحرص على تكوين الخطباء عبر برامج تدريبية تمكنهم من الجمع بين الثوابت الدينية ومتطلبات الواقع الاجتماعي.

إن الخطبة الموحدة، رغم نيتها في توحيد الخطاب الديني وضبطه، قد تتحول إلى أداة لتجريد المسجد من دوره الحيوي إذا لم تراجع آلياتها. فالمطلوب ليس إلغاءها بالضرورة، بل إعادة النظر في طريقة إعدادها، ومنح الخطباء مساحة للتفاعل مع جمهورهم، حتى تظل الخطبة منبرا حيا يواكب قضايا الناس ويعزز ثقتهم في دينهم ومؤسساتهم.

 

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.