إشراقة نيوز: بوسلهام الكريني
من السهل جدا اختيار مفردات أنيقة وجمل منمقة وصياغة خطاب مصور باحترافية عالية بعد سنوات من الصمت والغياب، لكن من الصعب جدا مسح تراكمات الغياب الميداني من ذاكرة مواطنين اكتووا بغياب الممثليين البرلمانيين ولم يلمسوا في حياتهم اليومية سوى الخطابات الانتخابية الموسمية.
خرج علينا النائب البرلماني أنوار صبري، ممثل حزب التجمع الوطني للأحرار عن إقليم سيدي سليمان، في مقطع فيديو معد بإتقان بصري وشكلي، ليعلن للعموم ما أسماه “الحصيلة” وليبرر غيابه الطويل عن المشهد والمواقع والتواصل المباشر. غير أن الخطاب السياسوي الذي حاول تسويقه تحت شعارات رفيعة مثل “الغيرة” و”الحضور المؤسساتي”، أثار موجة عارمة من الاستياء والتساؤلات النقدية المشروعة لدى الرأي العام المحلي والوطني.
بدأ النائب كلمته بالاعتراف الصريح بأنه لم يكن حاضرا، وأن السؤال الأكثر تداولا الذي كان يلاحقه هو: “فين غبرتي؟”. غير أن الغريب في المحاولة التبريرية هو القفز فوق واقع الغياب وتحويله إلى “خيار عملي”، وكأن البرلماني محكوم عليه إما بالظهور الكاميراتي الشكلي أو الانكفاء داخل القبة البرلمانية!
إن الحديث عن التواجد تحت قبة البرلمان باعتباره البديل الوحيد عن التواصل مع المواطنين هو مغالطة سياسية صريحة. فالعمل البرلماني الحقيقي لم ولن يكون يوما محصورا في المكاتب المغلقة والجلسات الشفهية، بل يمتد بالأساس إلى التواجد الميداني والإنصات المستمر لهموم الساكنة ومواكبة مشاكل الجماعات الـ 11 التابعة لإقليم سيدي سليمان عن قرب، لا انتظار نهايات الولايات التشريعية لإلقاء المواعظ السياسية.
يفتخر النائب بطرحه “أكثر من 200 سؤال برلماني”، متناسيا أن المقياس الحقيقي في التقييم السياسي ليس بعدد الأوراق المودعة لدى كتابة المجلس، بل بحجم الأثر الملموس والنتائج التي تحققت على أرض الواقع.
فإقليم سيدي سليمان يعاني من إكراهات هيكلية تنموية مشهودة في مجالات الصحة، البنية التحتية، الفلاحة، وفرص شغل الشباب. وأمام هذا الواقع الشاخص، يصبح التباهي برقم “200 سؤال” مجرد استعراض شكلي لا يغني ولا يسمن من جوع إذا لم يترافق مع ضغط سياسي حقيقي وتتبع ميداني يثمر مشاريع جليلة وميزانيات مرصودة.
وهنا يتساءل المواطن البسيط اليوم بنبرة حادة: ما قيمة أسئلة تدون في محاضر الجلسات وتتراكم في الأرشيف إذا كانت الطرقات ما زالت تعاني، والمستشفيات تشهد خصاصا في الأطقم والمدخلات، والشباب يفتقر لفرص الشغل والتنمية المستدامة؟ إن اختزال مفهوم الترافع في مجرد “فتح ملف” دون استخراج نتائج حقيقية هو الالتفاف بعينه على جوهر الوكالة الانتخابية.
وعند مواجهة النائب بالنتائج الميدانية، يسارع الخطاب الدفاعي إلى التمييز بين “الدور الرقابي للبرلماني” و”الدور التنفيذي للحكومة والمجالس”. ورغم صحة هذا التمييز من الناحية الأكاديمية والقانونية، إلا أنه يستخدم هنا كذرائع للتملص من المسؤولية الأخلاقية والسياسية أمام القواعد الناخبة.
هذا وإن المواطن اليوم لم يعد ينطلي عليه الكلام المعسول ولا الإخراج الفني للمقاطع الترويجية. فالسياسة في جوهرها حساب ومسؤولية وأثر ملموس في الحياة اليومية للمواطنين، وليست مجرد استحقاق موسم الانتخابات للبيع والشراء في المفاهيم وترديد شعارات “الغيرة والوضوح”.
وإذا كانت هناك غيرة سياسية حقيقية، فإنها تجسد بالوقوف الصامد إلى جانب المريض الذي لا يجد علاجه، والفلاح الذي يتخبط في أزمات الجفاف وغلاء المدخلات، والشباب الذي طال انتظاره لآفاق عمل كريمة. أما الاكتفاء بالحديث عن “استراتيجية ملف بملف” في اللحظات الأخيرة من الولاية البرلمانية، فهو محاولة متأخرة لتدارك ما لا يمكن تداركه.
وختاما فإن صناديق الاقتراع والوعي المتزايد لدى الساكنة هما الفاصل الحقيقي. فالبلاغة المفتعلة في آخر أيام الولاية لن تغطي على سنين من الغياب، والمواطن في إقليم سيدي سليمان سيعيد ترتيب أولوياته وتقييم ممثليه ليس بناء على الأرقام الورقية والأسئلة غير المنتجة، بل بناء على ما تحقق بالفعل في دروبه وحياته اليومية.



قم بكتابة اول تعليق