إشراقة نيوز: بوسلهام الكريني
تعيش مدينة سيدي سليمان على وقع مفارقة أمنية غريبة، تثير الكثير من علامات الاستفهام لدى المتتبعين للشأن المحلي والساكنة على حد سواء. فبينما يزخر تاريخ المنطقة الإقليمية للأمن الوطني بأسماء تركت بصمات لا تمحى في الشارع العام، يجد الإقليم نفسه اليوم أمام نمط تدبيري جديد يصفه الكثيرون بـ”الصامت” أو “السلبي”، في وقت تشهد فيه المدينة تناميا مقلقا للمظاهر الإجرامية وتجارة الممنوعات.
لا يمكن فهم القلق الحالي لساكنة سيدي سليمان دون العودة إلى مرحلة “الجيل الذهبي” من المسؤولين الأمنيين الذين تعاقبوا على المدينة. فبعد إحالة المراقب العام “عبد الرحيم العلمي” على التقاعد – والذي اتسمت فترته بحكامة تدبيرية ممتازة – تسلم المشعل والي الأمن “محمد العسالي”. العسالي، الذي كان بحق “خير خلف لخير سلف”، أبان عن خبرة عالية في تسيير وتدبير الشأن الأمني، مكرسا سياسة القرب وموجها ضربات استباقية للجريمة، قبل أن يتم تعيينه في منصب رفيع بالمديرية العامة للأمن الوطني بالرباط.
ولم تقف الدينامية عند هذا الحد، بل استمرت مع قدوم “مصطفى زكرياء”، القادم من الدار البيضاء برصيد ضخم في الشرطة القضائية. تميز زكرياء بحضوره الدائم في الشارع العام، وحسن التواصل، وسرعة الاستجابة لشكايات المواطنين، مفضلا الميدان على المكاتب المكيفة إلى حين تقاعده. وهو نفس النهج الذي سار عليه “مصطفى بكري” رئيس الأمن العمومي السابق، الذي كان مألوف الحضور في المقاهي والمحلات، ممتلكا نبض المدينة، على ما شاب هذه التصرفات من انتقادات..
واليوم، تبدو الصورة مغايرة تماما وتدعو إلى التساؤل. فمنذ تعيين الرئيس الجديد للمنطقة الإقليمية للشرطة بسيدي سليمان، ومعه رئيس الأمن العمومي (نائب رئيس المنطقة)، يسود انطباع عام بأن الساحة باتت “فارغة”. فالرئيس الحالي لم يُرَ في الشارع قط، ولم يسمع له حس تدبيري ميداني، وكأن الإدارة الأمنية دخلت في “فترة نقاهة” غير معلنة سبقت أوانها، أو كأن المسؤول الحالي يكتفي بانتظار “برنس التقاعد” دون ترك أي أثر يذكر.
وأمام هذا الغياب الميداني للقيادة العليا للمنطقة، يبقى السؤال المطروح: *من يحمي أمن سيدي سليمان اليوم؟*
إن الإنصاف يقتضي الإشادة بالجهود الجبارة التي تبذلها مصلحة الشرطة القضائية برئاسة العميد الممتاز “محمد الروتني”، وإنجازات الهيئة الحضرية بقيادة الكولونيل “حسن السباعي”. هؤلاء الرجال، إلى جانب الشعب الأمنية الأخرى، يواصلون الليل بالنهار مستندين إلى عقيدة أمنية ورثوها عن المسؤولين السابقين، محاولين سد الفراغ الذي تركه غياب الحضور الملموس لرئيس المنطقة ونائبه.
هذا الغياب القيادي في الشارع العام لم يمر دون عواقب؛ فالطبيعة تأبى الفراغ، وتجار الممنوعات استغلوا هذا التراخي الظاهري ليتمددوا في أوصال المدينة. لتعيش سيدي سليمان اليوم واقعا مقلقا يتسم بـ:
* تكاثر مروجي المخدرات التقليدية و”ماء الحياة” (الماحيا): التي باتت تصنع في هوامش المدينة وتغرق الأحياء الشعبية.
* غزو الحبوب المهلوسة (القرقوبي): التي تحولت إلى وقود لجرائم السرقة والاعتداءات بالسلاح الأبيض.
* ظهور “البودرة البيضاء” (الكوكايين): التي بدأت تجد طريقها إلى فئات معينة، مهددة السلم الاجتماعي للأسرة السليمانية.
* ظاهرة النقل السري وحرب الطرقات: والتي أضحت الفاعل الحقيقي والمباشر في كثرة عدد حوادث السير، وشرطة المرور مكتوفة الأيادي…
إن هذا الانفلات الأمني الصامت يتطلب حزما وقيادة ميدانية فعلية، ولا يمكن مواجهته بالتقارير المكتبية فقط. فالأمن في جوهره هو “إحساس بالوجود”، وحين يغيب المسؤول الأول عن الشارع، يضعف هذا الإحساس لدى المواطن، ويتجرأ المجرم.
“إن النجاحات الأمنية التي يسجلها إقليم سيدي سليمان اليوم هي نتاج تضحيات رجالات الصفوف الأمامية وإرث المسؤولين السابقين، وليست ثمرة التدبير الحالي.”
فهل سنرى يوما حضورا ملموسا ونزولا ميدانيا لرئيس المنطقة الحالي ونائبه لإعادة التوازن والضرب بيد من حديد على أيادي مروجي السموم؟ أم أن سيدي سليمان ستبقى محط تهميش أمني ينتظر التفاتة حازمة من المدير العام للأمن الوطني لإعادة قطار التدبير إلى سكته الصحيحة، وضخ دماء جديدة تؤمن بالعمل الميداني والتواصل المباشر، بعيدا عن كراسي الانتظار؟ ولعل ما زاد الهوة تفاقما، وجود موظفين أمنيين في محيط رئيس المنطقة لم يسبق لهم العمل في الأمن العمومي والاحتكاك بالمواطن والإيمان بأسلوب الحوار والتواصل، على غرار ما ألفوه من التعامل بالملفات والأوراق والاتصالات الهاتفية التي لا تجدي نفعا في الميدان الشرطي…
فالساكنة تطالب اليوم بالأمن الفعلي، والشارع لا يكذب.



قم بكتابة اول تعليق