إشراقة نيوز: بوسلهام الكريني
وضعت المحكمة الإدارية حدا للمسار السياسي لأحد نواب رئيس جماعة سيدي سليمان، بعد صدور حكم قضائي يقضي بعزله من منصبه إثر تورطه في خروقات وتجاوزات قانونية وتعميرية جسيمة. ورغم أن هذا المعطى يشكل خطوة إيجابية في مسار ربط المسؤولية بالمحاسبة، إلا أنه يفتح الباب على مصراعيه أمام تساؤل حارق يؤرق الرأي العام: “كيف يعزل المنتخب وحده، بينما يلوذ “شركاؤه” من موظفي الجماعة ورجال السلطة المحلية بالصمت ويفلتون من العقاب؟”
الوثائق الرسمية التي تكشفت تفاصيلها تكشف أن عملية “التهرب الضريبي” وتمرير الامتيازات غير المشروعة لم تكن لتتم لولا وجود “أيدٍ خفية” في الإدارة المحلية والترابية، بصمت بالقبول ومنحت صكوك الغفران المالي تحت مسمى “شواهد الإعفاء”.
وتوضح المعطيات أن النائب الأول للرئيس السابق، وبصفته مساهما في شركة لإنعاش العقار، تمكن من التهرب من أداء “الرسم المفروض على الأراضي الحضرية غير المبنية” لقطعة أرضية شاسعة (ذات الرسم العقاري رقم 17196/R بدوار ازهانة) تبلغ مساحتها الإجمالية حوالي 53080 مترا مربعا.
لكن هذا التهرب لم يكن سحرا، بل قام على “طبخة إدارية” شارك فيها موظفون ورجل سلطة عبر إصدار وثيقتين حاسمتين:
- محضر المعاينة المشبوه 2020/08/19: قام أعوان تابعون للجماعة بإعداد محضر معاينة منجز يزعم أن القطعة الأرضية تضم بنايات سكنية من الطين والإسمنت على مساحة تناهز 12513 مترا مربعا، وهي المساحة التي اعتبرت “كافية” لمنح قطعة الأرض شهادة الإعفاء الضريبي.
- شهادة إثبات الاستغلال الفلاحي 2021/08/17: وهنا تبرز الحلقة الأضعف والأخطر في منظومة الرقابة، حيث تدخلت “السلطة المحلية (رجل السلطة الخليفة آنذاك)” لمنحه شهادة رسمية تثبت “الاستغلال الفلاحي للأرض”، وهي الشهادة التي شكلت القشة التي قصمت ظهر العدالة الضريبية وحرمت مالية الجماعة من مبالغ ضخمة.
إن توجيه أصابع الاتهام إلى “رجل السلطة المحلية” المعني بمنح شهادة الاستغلال الفلاحي ليس مجرد استنتاج صحفي، بل هو حقيقة وثقتها لجنة التدقيق؛ حيث كشف فحص الملف عن عيوب قاتلة تُسقط عن تلك الشهادة أي شرعية قانونية أو واقعية:
* غياب التصميم الطبوغرافي: وافق رجل السلطة على منح الشهادة بالرغم من “غياب طلب رسمي” مستوفٍ للشروط من طرف المستشار، والأخطر من ذلك، “عدم تقديمه لتصميم طبوغرافي” يحدد المساحة المستغلة فعليا.
* انعدام الحجج والوثائق: لم يكلف رجل السلطة نفسه عناء مطالبة المستشار بأي وثيقة أو إثبات فعلي يؤكد طبيعة الاستغلال الفلاحي ونوعيته، مما يجعل الشهادة الصادرة عنه “شهادة مجاملة” صيغت لأغراض التفصّي من الواجبات الوطنية.
إن رجل السلطة، الذي يفترض فيه أنه عين الدولة التي لا تنام وحامي القانون وضابط المخالفات، تحول في هذه النازلة – بقصد أو بإهمال جسيم – إلى ممرر خلفي لامتيازات غير مشروعة، ومسهل مأمورية لتهرب ضريبي مكشوف على أرض أُدرجت أصلا في “تصميم إعادة الهيكلة” (بتاريخ 2021/06/30) وضخت فيها أموال عمومية عبر سندات طلب مشبوهة للتطهير السائل (بقيمة 198000 درهم).
وهنا نكون أمام سياسة الكيل بمكيالين: لماذا عُزل المنتخب وحُصّن الموظف ورجل السلطة؟
إن محاربة الفساد لا يمكن أن تستقيم إذا ظلت تجتث الأغصان وتترك الجذور. عزل المستشار الجماعي بواسطة الحكم القضائي هو نصف الحقيقة ونصف العدالة؛ أما النصف الآخر فيقبع في مكاتب الإدارة المحلية والترابية.
* أعوان وموظفو الجماعة الذين وقعوا على محاضر معاينة “مفصلة على المقاس” لمنح الإعفاءات، يجب أن يساءلوا إداريا وجنائيا بتهمة التزوير في محتويات محاضر رسمية وتسهيل تبديد أموال عمومية.
* رجل السلطة المحلي الذي وقع شهادة الاستغلال الفلاحي دون أدنى وثيقة أو معاينة ميدانية حقيقية، يجب أن تطاله المقصلة التأديبية لوزارة الداخلية، والمتابعة القضائية بتهمة الشطط في استعمال السلطة والتواطؤ في التهرب الضريبي.
فلا يمكن للرأي العام المحلي أن يثق في شعارات “الحكامة الجيدة” و “حماية المال العام” طالما أن العقاب ينتقي ضحاياه بناء على صفتهم السياسية ويغض الطرف عن صفتهم الإدارية أو السلطوية. إن التهرب الضريبي الذي قاده هذا المستشار المعزول كان “عملا جماعيا” بامتياز، شاركت فيه الإدارة المنتخبة والإدارة الترابية.
لذا، فإن الملف لن يُغلق بعزل المستشار؛ بل إن عزل المستشار هو البلاغ الرسمي والشرارة التي يجب أن تحرك النيابة العامة والمفتشية العامة للإدارة الترابية لفتح تحقيق أسود وموسع يطال رجل السلطة المتورط وموظفي الجماعة، تفعيلا للمبدأ الدستوري الأسمى: “لا أحد فوق القانون، والمحاسبة تشمل الجميع.”



قم بكتابة اول تعليق