إشراقة نيوز: بوسلهام الكريني
تشهد الساحة السياسية المغربية في الآونة الأخيرة حراكا لافتا نحو تعزيز تمثيلية المرأة في المجالس المنتخبة، وذلك بفضل الآليات القانونية والتمييز الإيجابي (الكوطا). ورغم أن هذا التوجه يبدو في ظاهره قفزة نوعية نحو المناصفة، إلا أن واقع الممارسة السياسية، خاصة في الحواضر والمناطق ذات الطابع المحافظ مثل إقليم سيدي سليمان، يكشف عن فجوة عميقة بين الشعار والواقع.
فبين غياب الوعي القانوني، وبيروقراطية “ملأ الفراغ”، والاستغلال الذكوري الممنهج، يطرح السؤال الصادم نفسه: “هل فشلت المرأة المغربية سياسيا، أم تم إفشالها مع سبق الإصرار والترصد؟”
تجمع العديد من القراءات النقدية للواقع الحزبي المحلي في سيدي سليمان على أن حضور المرأة في لوائح الترشيح لا ينطلق، في كثير من الأحيان، من إيمان حقيقي بكفاءتها أو مشروعها المجتمعي. بل يأتي خضوعا لإملاءات القوانين الانتخابية التي تفرض حصصا نسائية محددة.
هنا ولدت ما يمكن تسميته بـ “سياسة ملأ الفراغ”؛ حيث تحولت المرأة إلى مجرد رقم تكتمل به اللائحة وتضمن به العتبة القانونية. هذا الاختزال جعل من وجودها في المجالس المنتخبة حضورا “عدديا” لا “نوعيا”، وتأثيثا للمشهد الخارجي للحزب لإعطائه صبغة ديمقراطية حداثية مزيفة.
فلا يمكن عزل أداء المرأة السياسي عن سياق التنشئة السياسية العامة في المغرب، لكن المعاناة تضاعف لدى النساء في الهوامش والحواضر الصغرى. فيبرز هنا “ثالوث” يعيق أي تمكين حقيقي:
* الأمية السياسية: غياب الثقافة الحزبية الحقيقية والمشاركة الفاعلة في صياغة القرارات داخل الهياكل التقريرية للأحزاب.
* الجهل بالقانون: تفتقر العديد من المستشارات الجماعيات للمعرفة الدقيقة بالقوانين التنظيمية للجماعات الترابية، وميكانيزمات تدبير الميزانيات، وآليات الرقابة، مما يجعلهن “خارج اللعبة” أثناء اتخاذ القرارات المصيرية.
* انعدام التجربة: قذف النساء مباشرة إلى معترك المجالس الانتخابية دون تدرج حزبي أو تكوين سياسي مسبق، يضعهن في مواجهة مباشرة مع نخب ذكورية متمرسة في “الطبخ السياسي”.
والنتيجة الحتمية: تحول هذا الثالوث بالعديد من المستشارات إلى مجرد أرقام ترفع لرفع الأيادي والتصويت بالموافقة على قرارات لا يشاركن في صياغتها، مما دفع البعض لإطلاق حكم قاس مفاده “فشل المرأة في السياسة بكل المقاييس”، وهو حكم راديكالي يغفل بوعي أو بدون وعي الأسباب الهيكلية وراء هذا التعثر.
وفي عمق الممارسة السياسية المحلية، يظهر استغلال الرجل – المسيطر على الآلة الحزبية والتمويل- للمرأة بشكل فج.
فالمرأة في الأحياء الشعبية والقرى السليمانية تعتبر “الخزان الانتخابي الأوفى” و“منبع الأصوات” الأسهل تحريكا عبر شبكات العلاقات الاجتماعية والقرابة.
أكثر من ذلك، يتم أحيانا استغلال العوامل النفسية والاجتماعية المرتبطة بالمرأة في مجتمعاتنا:
- استغلال “الضعف” أو الحاجة: توظيف الهشاشة الاقتصادية لبعض النساء لدفعهن للترشح أو حشد الأصوات.
- سلاح “الرقة والأنوثة”: استخدام الصورة النمطية للمرأة من أجل تلطيف صورة الحزب، أو كواجهة استقطابية لكسب تعاطف الناخبين والناخبات، بينما تطبخ الصفقات الحقيقية والمصالح الكبرى في الكواليس المغلقة للرجال.
وبمجرد وصول هؤلاء الرجال إلى المقاعد الوثيرة في المجالس الإقليمية أو الجماعية، تعاد المرأة في كثير من الأحيان إلى الظل، وتجرد من أي سلطة تنفيذية حقيقية (كالنيابة أو رئاسة اللجان الفاعلة)، لتظل تابعا سياسيا لا شريكا.
إن النقد اللاذع لواقع المرأة السياسي في سيدي سليمان والمغرب عموما ليس دعوة لإقصائها أو تراجعا عن المكتسبات، بل هو صرخة لتعرية “التمكين الشكلي”.
إن الفشل الحالي ليس فشلا لجنس المرأة، بل هو فشل للمنظومة الحزبية التي استسهلت استخدام النساء “كأدوات انتخابية”. فلن يستقيم المشهد السياسي إلا بإنهاء “سياسة تأثيث الواجهات”، والتركيز على التكوين القانوني والميداني للنساء، وتطهير الأحزاب من الممارسات الانتهازية التي ترى في المرأة صوتا انتخابيا وجسدا مؤثثا، لا عقلا مدبرا وشريكا في التنمية.



قم بكتابة اول تعليق