سيدي سليمان تحت وطأة التلوث.. “واد بهت” يتحول إلى قنبلة بيئية موقوتة، وصفقة تدبير النفايات تثير التساؤلات

إشراقة نيوز: بوسلهام الكريني

تعيش مدينة سيدي سليمان على وقع كارثة بيئية وصحية حقيقية باتت تؤرق مضاجع الساكنة ليل نهار. فبين مجرى مائي تاريخي تحول إلى بؤرة للأوبئة والروائح الكريهة، وقطاع تدبير مفوض للنفايات يلتهم الملايير دون أثر ملموس على أرض الواقع، يجد المواطن السليماني نفسه وحيدا في مواجهة التلوث، وسط صمت مطبق وغياب تام لرقابة المسؤولين المعينين والمنتخبين.

فمع الارتفاع الملحوظ في درجات الحرارة التي تشهدها المنطقة، تحول “واد بهت” من متنفس طبيعي إلى كابوس حقيقي وجحيم يومي. فالواد، الذي تظهر الصور المرفقة بوضوح مدى تدهوره واختناقه بالأزبال والإطارات المطاطية والمياه الآسنة المائلة للسواد، أضحى مصدرا لانبعاث روائح كريهة تزكم الأنوف على مدار الساعة دون انقطاع.

هذا الوضع البيئي المتردي لم يعد مجرد تشويه للمشهد الحضري، بل تحول إلى خطر صحي داهم يهدد الفئات الهشة بالمدينة، وفي مقدمتهم:

* مرضى الربو وحساسية الجهاز التنفسي: الذين يجدون أنفسهم محاصرين داخل بيوتهم غير قادرين على استنشاق هواء نقي، مما يضاعف من أزماتهم الصحية ويدفع بالعديد منهم إلى المستعجلات.

 * كبار السن والأطفال: الذين تفتقر مناعتهم للقدرة على تحمل هذا التلوث الهوائي المستمر والغازات المنبعثة من مجرى الوادي الراكد.

أمام هذه المعاناة الإنسانية، يتساءل الشارع السليماني بحرقة: أين هي الرقابة؟ وأين هم المسؤولون الذين نالوا ثقة المواطنين لإدارة الشأن المحلي؟ أم أن صحة المواطن البسيط سقطت تماما من الحسبان؟

هذا، ولا تتوقف المعاناة عند حدود الوادي، بل تمتد لتشمل النفايات والأزبال المتناثرة في كل حدب وصوب بالمدينة، وكأن الشركة الحائزة على صفقة التدبير المفوض، والتي تتقاضى مبلغا ضخما يصل إلى 2 مليار سنتيم سنويا تقريبا، خارج نطاق الخدمة والمساءلة.

فتطرح اليوم علامات استفهام كبرى حول طريقة تدبير هذا المرفق، خاصة وأن نظام الأداء يثير الكثير من الجدل كونه يتم بشكل جزافي بلا وزن، ولا رقابة دقيقة، ولا تفعيل حقيقي للذعائر والعقوبات عن المخالفات اليومية. وفي هذا السياق، يرفع المجتمع المدني والساكنة جملة من التساؤلات المشروعة:

 * هل تقوم الشركة فعليا بكنس وتطهير كافة الشوارع والأزقة المحددة في دفتر التحملات، أم أن خدماتها تقتصر على الواجهات فقط؟

 * أين هي الشاحنة المكنسة الميكانيكية (camion\ mécanique) التي اختفت تماما ولم يظهر لها أثر منذ تجديد عقد هذه الشركة؟

* أين هي عمليات تشذيب الأشجار، وغسل الأرصفة وصباغتها التي يفترض أنها تدخل ضمن الالتزامات؟

* في مفارقة عجيبة تثير السخرية والاستغراب معا، يتساءل متتبعون عن حقيقة وجود بند يتعلق بـ “تنقية شاطئ البحر بسيدي سليمان” مسطر في دفتر التحملات، علما أن المدينة داخلية ولا تتوفر على أي شريط ساحلي! فكيف صيغت هذه الصفقة وكيف تمت المصادقة عليها؟

وعليه، تتجاوز الأزمة ما هو بيئي لتصل إلى شبهات ترتبط بالحكامة والرقابة الإدارية. حيث تتناسل الأخبار والاتهامات حول ازدواجية الولاء لبعض الموظفين الجماعيين؛ إذ يطرح التساؤل بحدة حول مدى وجود موظفين يشتغلون بوجهين: وجه مع الجماعة وآخر مع الشركة، ويتقاضون أجرين من الطرفين! فكيف لعين مراقبة أن ترفع تقارير سوداء ضد شركة تساهم في إعالتها؟

وفي ذات السياق، تتجه أصابع النقد صوب رئيس المجلس الجماعي، بصفته رئيسا للمجلس وفي الآن ذاته رئيسا لمجموعة الجماعات بني احسن للبيئة. وتستنكر الفعاليات المحلية ضخ مبالغ مالية خيالية من ميزانية الجماعة وصبها في ميزانية مجموعة الجماعات لتمنح في النهاية لشركة لا تقوم، بحسب العارفين بالشأن المحلي، حتى بربع ما كانت تقوم به الشركة سابقا عندما كان المجلس البلدي يفوض التدبير مباشرة بمبالغ لم تكن تتجاوز 900 مليون سنتيم.

ففي فترة التدبير السابق الذي كانت تشرف عليه بلدية سيدي سليمان:

  • الميزانية: حوالي 900 مليون سنتيم
  • يد عاملة كافية وآليات مستمرة
  • حاويات صالحة وموزعة بانتظام

في حين أن التدبير الحالي تحت إشراف مجموعة الجماعات بني احسن:

  • الميزانية: حوالي 2 مليار سنتيم
  • نقص حاد في العمال والآليات
  • حاويات مهشمة ومتناثرة

فاليوم، ورغم تضاعف الميزانية، تعاني المدينة من نقص حاد في اليد العاملة والآليات والشاحنات، وحتى الحاويات المتوفرة أصبحت مهشمة، قذرة، وموزعة بطرق عشوائية تزيد من تشويه المنظر العام وتعميق التلوث.

وأمام هذا الوضع الكارثي الذي يجمع بين التردي البيئي لواد بهت والشبهات المالية والإدارية التي تحوم حول صفقة النفايات، تلتزم السلطات المحلية والإقليمية بسيدي سليمان صمتا غريبا وغير مفهوم، دون تسجيل أي ردة فعل حازمة أو فتح تحقيق معمق يعيد الأمور إلى نصابها ويحمي المال العام وصحة المواطنين.

إن ساكنة سيدي سليمان لم تعد تطالب بالكماليات، بل باتت ترفع نداء استغاثة من أجل حقها الدستوري في بيئة سليمة وفي هواء نقي، وتطالب الجهات المركزية والرقابية بإيفاد لجنة تفتيش مركزية للوقوف على الاختلالات التي تشوب ملف النفايات بالمدينة وتدقيق دفتر التحملات. والتدخل العاجل لإنقاذ مجرى واد بهت وتطهيره قبل أن تتحول الأزمة الصحية لمرضى الجهاز التنفسي إلى فاجعة حقيقية.

فهل ستتحرك ضمائر المسؤولين، أم ستبقى سيدي سليمان مدينة منسية تحت رحمة التلوث والفساد التدبيري؟

الصور: 

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.